في تصريح أحدث زلزالًا سياسيًا داخل أروقة حلف شمال الأطلسي، اقترح الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الخميس، طرد إسبانيا من الناتو بدعوى فشلها في الوفاء بالتزاماتها المتعلقة بالإنفاق الدفاعي، التي حددها ترامب في وقت سابق عند 5% من الناتج المحلي الإجمالي.
وقال ترامب، في تصريحات أدلى بها للصحافيين من البيت الأبيض:
“لدينا عضو واحد متقاعس، إنها إسبانيا. ليس لديهم أي عذر لعدم تحقيق ذلك، وربما يجب طردهم من الناتو بصراحة.”
التصريح الذي جاء على نحو مفاجئ، يعكس تصعيدًا جديدًا من الرئيس الأميركي تجاه الحلفاء الأوروبيين، خصوصًا بعد سلسلة انتقادات وجهها في الأشهر الماضية إلى عدد من الدول الأعضاء، بدعوى “استفادة بعضها من المظلة الأمنية الأميركية دون مساهمة مالية كافية”.
خلفية التوتر بين واشنطن ومدريد
إسبانيا كانت من بين الدول التي تحفظت على القرار الذي تبنّاه الحلف في قمة لاهاي خلال يونيو الماضي، والقاضي برفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035.
حكومة مدريد اعتبرت أن هذا الهدف “غير واقعي” وقد يهدد التوازن المالي الداخلي، مكتفية بالتزامها السابق بإنفاق 2.1% فقط.
وبينما يصرّ ترامب على أن الولايات المتحدة “لن تدافع عن دول لا تفي بحصتها من الأعباء”، ترى الحكومة الإسبانية أن مقاربة الرئيس الأميركي “تجارية” أكثر منها “تحالفية”، وتحاول تحويل الناتو إلى نادٍ لمن يدفع أكثر.
ردود فعل أولية داخل الحلف
تصريحات ترامب خلّفت صدمة داخل قيادة الناتو في بروكسل، حيث رفض المتحدث باسم الحلف التعليق مباشرة على كلام الرئيس الأميركي، مكتفيًا بالقول إن “التحالف يبقى موحدًا على أساس الالتزام المتبادل بالدفاع الجماعي”.
من جانبها، نقلت صحف إسبانية عن مصادر دبلوماسية قولها إن مدريد تعتبر أن “التهديد بطردها من الناتو غير قانوني ولا يستند إلى أي آلية داخل معاهدة واشنطن لعام 1949”.
في المقابل، التزمت أغلب العواصم الأوروبية الصمت، وسط مخاوف من أن يؤدي هذا التوتر إلى شرخ جديد في وحدة الحلف، في وقت يشهد العالم تصاعدًا للأزمات الأمنية شرق أوروبا والشرق الأوسط.
قراءة في خلفيات الموقف الأميركي
يرى مراقبون أن ترامب يسعى، من خلال هذه اللهجة، إلى إعادة رسم علاقة الولايات المتحدة بحلفائها على قاعدة “الأموال مقابل الحماية”، وهي القاعدة ذاتها التي روّج لها خلال ولايته السابقة، عندما انتقد ألمانيا وكندا وبلجيكا للأسباب نفسها.
كما يربط محللون بين هذا التصريح وسياق انتخابي داخلي في الولايات المتحدة، إذ يسعى ترامب إلى إظهار الحزم والندية تجاه أوروبا، وتقديم نفسه كزعيم قوي لا يتسامح مع “المتخاذلين”.
أزمة غير مسبوقة في تاريخ الناتو
لم يشهد الحلف منذ تأسيسه أي عملية طرد رسمية لأي عضو، إذ لا تنص معاهدة الناتو على مثل هذه الآلية. لكن مجرد التلويح بها يثير تساؤلات حول تماسك التحالف الأطلسي، وقدرته على تجاوز التباينات المتزايدة بين ضفتي الأطلسي.
وفي حال استمرار هذا التصعيد، يُتوقّع أن تشهد الاجتماعات المقبلة للحلف نقاشات حادة بين واشنطن ومدريد، فيما تحاول القيادة الأطلسية احتواء الأزمة وإبقاء التركيز على “الأولويات الدفاعية المشتركة” بدل التنازع المالي.
ترامب ختم تصريحاته بعبارة تلخص فلسفته السياسية ب “التحالفات القوية تُبنى على الالتزام لا على الأعذار.”
لكن يبدو أن هذه الجملة ستفتح فصلاً جديدًا من التوتر بين الولايات المتحدة وأوروبا، وتعيد طرح السؤال القديم الجديد: من يحمي من في الناتو؟








تعليقات
0