بوزنيقة –بعثة أنوار بريس
“غياب الوضوح الفكري والجرأة السياسية أدى إلى تآكل علاقات الثقة بين الفاعل الحكومي والمواطنين”
“نطرق باب المستقبل من أجل الإصلاح الجذري”
شهدت القاعة الكبرى للمركب الدولي ببوزنيقة، مساء اليوم الجمعة 17 أكتوبر 2025، افتتاح أشغال المؤتمر الوطني الثاني عشر لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وسط أجواء تنظيمية مهيبة وحماس جماعي جسّد عمق الانتماء الاتحادي ووحدة صف الاتحاديين و الاتحاديات.
وعرفت الجلسة الافتتاحية حضور رئيس الحكومة وزعماء الأحزاب السياسية الوطنية، وممثلين عن النقابات والمنظمات الحقوقية والمدنية، إلى جانب وفود أجنبية من الأحزاب الاشتراكية الشقيقة والصديقة، مما منح الحدث بعداً وطنياً ودولياً لافتاً.
استهل الكاتب الأول للحزب إدريس لشكر كلمته أمام المؤتمرين والضيوف بالتأكيد على أن انعقاد المؤتمر يمثل “التزاماً سياسياً وأخلاقياً راسخاً باحترام الدورة التنظيمية التي يضبطها التعاقد الداخلي بين الاتحاديات والاتحاديين”، مشيداً بالدينامية التنظيمية غير المسبوقة التي عرفها الحزب من خلال عقد 72 مؤتمراً إقليمياً شكلت محطات تعبئة وتأطير جهوية واسعة.
وقال لشكر: “لقد وصلنا إلى محطتنا الوطنية وفي محصلتنا نتائج نقاش مفتوح وصادق، يحدونا فيه هدف أسمى هو تجديد استراتيجية حزبنا لخدمة بلادنا”.
إشادة بالصمود الاتحادي وتجديد الهوية الإصلاحية
أبرز الكاتب الأول أن الاتحاد الاشتراكي تمكن من الحفاظ على حضوره القوي وسط محيط يعرف “تراجعاً خطيراً للتيارات التقدمية وأفول العديد من التجارب الاشتراكية”، معتبراً أن ذلك تحقق بفضل تشبث الاتحاديين بثوابت الحزب وهويته الإصلاحية، وبإرثه الوطني التقدمي القائم على ثلاثية العدالة والحداثة والديمقراطية.
القضايا الدولية والقضية الفلسطينية
في الشق الدولي من كلمته، توقف لشكر عند “التحولات الاستراتيجية العميقة التي يشهدها العالم”، مندداً بما وصفه بـ“صمت دولي مريب أمام المآسي التي يعيشها الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية”.
وأكد أن الاتحاد الاشتراكي يعتبر القضية الفلسطينية قضية تحرر وطني عادلة، داعياً إلى “حشد الدعم الدولي ضد سياسة الإبادة الممنهجة ولأجل قيام دولة فلسطين الموحدة وعاصمتها القدس الشرقية”.
تحذير من أزمة القيم وصعود اليمين المتطرف
تحدث لشكر عن التحديات العالمية التي تواجه القوى التقدمية، من أزمة المناخ والاستنزاف البيئي إلى تهديد الحريات وصعود الأنظمة الاستبدادية، مشيراً إلى أن “العالم يشهد تراجع الثقة في النموذج الديمقراطي أمام صعود اليمين المتطرف وخطابات الكراهية ورفض المهاجرين”.
وفي هذا السياق، عبّر عن تضامن الحزب مع حزب الشعب الجمهوري التركي في مواجهة القمع، مؤكداً أن “الدفاع عن الديمقراطية معركة جماعية تتجاوز الحدود الوطنية”.
الصحراء المغربية في صلب الخطاب
أوضح إدريس لشكر أن اختيار شهر أكتوبر لعقد المؤتمر “ليس مصادفة”، لأنه يرتبط بقرارات أممية حول الوحدة الترابية للمملكة وذكرى المسيرة الخضراء.
وقال إن “الترابط بين تجديد الاتحاد لنفسه وبين التعاقد الوطني من أجل تحرير الأرض والإنسان يبرهن على عمق ارتباط التقدمية بالوطنية في الفكر الاتحادي”.
وأكد أن المغرب “نجح في تحصين وحدته الترابية وتغيير سردية العالم حول قضيته الوطنية بفضل تنميته الميدانية ومصداقية مبادرة الحكم الذاتي”، داعياً إلى أن يُدرج المقترح المغربي ضمن المرجعيات الأممية الرسمية لتسوية النزاع.
تشخيص دقيق للأزمة السياسية والاجتماعية
قدّم لشكر في كلمته تشخيصاً واسعاً لما وصفه بـ“المنعطف التاريخي” الذي يعيشه المغرب، موضحاً أن البلاد تواجه “تراكماً للضغوط وتداخلاً للأزمات الاقتصادية والاجتماعية” مما يستدعي “فهم المرحلة بعمق لا تبريرها”.
وقال: “غياب الوضوح الفكري والجرأة السياسية أدى إلى تآكل الثقة بين الدولة والمواطنين، ولم تعد الحلول التقنية كافية، بل بات ضرورياً تبني قراءة نقدية متعددة الأبعاد للواقع المغربي.”
خطاب المكاشفة والإصلاح الجذري
وجّه الكاتب الأول نداءً صريحاً إلى النخب السياسية، داعياً إلى تجاوز منطق المجاملة وإلى اعتماد مقاربة صريحة في معالجة الأزمات، مؤكداً أن “الاحتجاجات الأخيرة تعكس قلق المجتمع بأسره وليس مجرد نزوة شبابية”.
وأضاف: “لسنا هنا لتجميل الواقع بل للكشف عنه، وليس الهدف إدارة الأزمة بل الخروج منها. نطرق باب المستقبل من أجل الإصلاح الجذري على أسس المساواة والكرامة والسيادة.”
نقد للنموذج الاقتصادي وهيمنة الريع
خصص لشكر حيزاً كبيراً من كلمته لانتقاد النموذج الاقتصادي المغربي الذي وصفه بـ“الهش والمعتمد على الريع”، موضحاً أن “الليبرالية التنافسية التي اتبعت منذ عقود أنتجت نمواً محدود الأثر اجتماعياً، وعمّقت الفوارق بدل الحد منها”.
ودعا إلى “تبني نموذج تنموي جديد يقوم على العدالة الجبائية وتوزيع الثروة وإدماج كل الفئات في التنمية”.
الدولة الاجتماعية والديمقراطية المجالية
أكد لشكر أن الاتحاد الاشتراكي يعتبر العدالة الاجتماعية شرطاً تأسيسياً لأي مشروع وطني ديمقراطي، مشدداً على أن بناء الدولة الاجتماعية لا يتم عبر “التكيّف مع منطق السوق”، بل من خلال إعادة توزيع الثروة وتوسيع الحقوق وضمان تكافؤ الفرص.
كما دعا إلى الانتقال من “دولة مسعفة إلى دولة محفّزة”، وإلى اعتبار المواطن “شريكاً في القرار لا مجرد مستفيد”.
الملكية الدستورية كضمانة للاستقرار
قال لشكر إن “الملكية في المغرب نظام مواكب لعصره، ضامن للاستقرار ومصدر لاستمرارية الدولة”، محذراً من “استعمال المؤسسة الملكية كدرع لتبرير الإخفاقات أو تهميش المعارضة”.
وأكد أن “الملك محمد السادس لم يعبر يوماً عن نية الانفراد بالسلطة، بل ظل حريصاً على تصويب المسار وإطلاق الإصلاحات الكبرى”.
إصلاح المنظومة الانتخابية والرقمنة الحزبية
عرض الكاتب الأول مضامين المذكرة الإصلاحية التي قدمها الحزب لوزارة الداخلية، والتي تتضمن التسجيل التلقائي للشباب، وتخفيض سن الترشح إلى 18 سنة، والرفع من التمثيلية النسائية إلى الثلث، ومحاربة الفساد الانتخابي، إضافة إلى مقترحات رائدة حول تنظيم استعمال الذكاء الاصطناعي في الحملات السياسية.
كما شدد على ضرورة تأهيل الإعلام الاتحادي ورقمنة الأرشيف الحزبي، مؤكداً أن “الرقمنة ليست مجرد أداة تكنولوجية، بل فضاء جديد للديمقراطية المباشرة”.
و اختتم إدريس لشكر كلمته بتوجيه تحية تقدير للجان التنظيمية واللوجستيكية التي سهرت على إنجاح المؤتمر، معبّراً عن امتنانه للحضور الوطني والدولي، ومؤكداً أن “الاتحاد الاشتراكي يدخل هذه المحطة التاريخية موحداً، وفياً لروحه التقدمية، ومصمماً على استئناف مسار الإصلاح الديمقراطي والاجتماعي”.
بهذه الكلمة الجامعة، دشّن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية مؤتمره الثاني عشر برؤية جديدة للإصلاح، تستند إلى الواقعية النقدية، والوفاء لقيم الحزب التاريخية في العدالة الاجتماعية، والديمقراطية، والحداثة الوطنية.








تعليقات
0