الدرس الأساسي هنا هو أن الخروج من الأزمة يتطلب إعادة بناء المشروع السياسي والاقتصادي
قال الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الاستاذ ادريس لشكر، في كلمته خلال الجلسة الافتتاحية للمؤتمر الوطني الثاني عشر المنعقد ببوزنيقة، إن بلادنا تعيش منعطفا نعتبره تاريخيا، إنها محطة دقيقة تتسم بتراكم الضغوط وتداخل الأزمات داخلياً وتحولات جيوسياسية إقليمية ودولية تحتم إعادة ترتيب الأولويات، وذلك في مناخ متوتر تفرزه التحديات الاقتصادية والاجتماعية.
وأضاف أن هذه محطة مهمة في مسار وطننا حيث يجد المغرب نفسه أمام اختبارات حقيقية تمس أسس العقد الاجتماعي، ونجاعة الدولة، وتماسك المجتمع وتوطيد سيادته الوطنية الترابية والاقتصادية، مؤكدا أننا مطالبون بفهمها وليس تعليلها.
وأوضح الاستاذ لشكر، أن تجربة الاتحاد الاشتراكي، خاصة في مرحلة التناوب، أظهرت أن مجرد الاندماج في السلطة التنفيذية دون مصاحبة ذلك بإصلاح بنيوي عميق لا يكفي لمواجهة التحولات الكبرى، معتبرا أن تجاوز الأزمة يقتضي اليوم فهما عميقا لطبيعة المرحلة، وليس فقط التكيف الظرفي مع مستجداتها.
وشدد الاستاذ لشكر، على أن غياب الوضوح الفكري والجرأة السياسية في صياغة الأجوبة وبلورتها في خطط وآليات للمتابعة بتدبير عقلاني، والتقاعس عن المحاسبة، يؤدي حتما إلى تآكل علاقات الثقة بين الفاعل الحكومي والمواطنين، قائلا: “وهذا هو ما حصل!”.
وأشار إلى أنه من أزمة الثقة في المؤسسات، إلى ارتفاع الاحتقان المجتمعي، والتفاوتات المجالية، تتعدد مؤشرات التوتر، وتظهر أدوات التدبير التقليدية محدودة في استيعاب عمق التحولات الجارية، مؤكدا أنه لم يعد كافيا بسط حلول تقنية أو مقاربات ظرفية، بل بات من الضروري التوجه نحو قراءة معمقة، ناقدة، ومتعددة الأبعاد للواقع المغربي.
وأكد الكاتب الأول أن المجهودات التي تمت في شتى الميادين لا يمكن إنكارها، لكن السؤال المطروح هو: هل تمكنت هذه الجهود من توجيه الدينامية الاقتصادية والاجتماعية لخلق قطيعة مع أساليب الارتجال التي أعاقت العمل المنتج؟ موضحا أن البعض قد يتخيل أن الاحتجاجات الأخيرة لا تعدو أن تكون إلا مجرد صرخة عابرة للشباب وأنها من طبيعتهم كما كان حال السابقين، معتبرا أنها صرخة من حيث الشكل، لكنها تعبر عن قلق المجتمع برمته الذي يسائل آليات اشتغال الدولة، ومعضلة تمركز القرار والثروة في أيدي الأقلية.
وأضاف الاستاذ لشكر، أن القلق يتسع إلى مسألة تعثر قنوات الوساطة السياسية والاجتماعية ومعيقات الدور الوظيفي للأحزاب والنخب والمجتمع المدني، مبرزا أن الدرس الأساسي هنا هو أن الخروج من الأزمة يتطلب إعادة بناء المشروع السياسي والاقتصادي على أساس ارتباط عضوي مع المجتمع لا على توافقات نخب معزولة.
وقال الكاتب الأول إنه لا يخفي أن كلمته هذه نداء، لا لتقديم وصفات أو تحاليل جاهزة، بل يريدها خطابا بدون مجاملة، على طرفي نقيض مع خطابات النخبة التكنوقراطية أو السياسية المتطفلة على الشأن العام، موضحا أنها محاولة لطرح أسئلة موجعة، بأسلوب صريح، ولغة غير مترددة، وللحث على التفكير الرزين في فتح السبل التي من شأنها أن تعيد الأمل للطبقات الشعبية وللشباب، وتحفز كل ذوي النيات الحسنة وتوطد دعائم الالتزام الوطني والقيم الثابتة للملكية الدستورية الديمقراطية والاجتماعية.
وأضاف أن المطلوب ليس تجميل الواقع، بل الكشف عنه ولو كان مرا، وليس القصد هو البحث عن سبل إدارة الأزمة، بل الخروج منها، مؤكدا أن الاتحاد الاشتراكي لا ينخرط في الخطاب المغلوط الرامي إلى “تسويق المغرب”، بل يطرق باب المستقبل من أجل الإصلاح الجذري وتدشين مسار جديد يثق في قدرات أبنائه على أسس المساواة والكرامة والسيادة.
وقال الكاتب الأول إن المغرب، ومنذ أكثر من عقدين، دخل في سلسلة من الإصلاحات، والإستراتيجيات القطاعية، والرؤى الاستشرافية التي قُدمت كلها على أنها واعدة ومبشرة بالغد الأفضل، لكن مع مرور الوقت تركت الوثوقية المطلقة المجال لعدم اليقين.
وأشار إلى أن المؤشر الأول الدال على الحيرة هو تفاقم الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتلاشي الأمل لدى الشباب، واتساع رقعة الهشاشة، ومأسسة الريع، مبرزا أنه رغم بناء الطرق السريعة، وتشييد الموانئ الضخمة، وتطوير المناطق الحرة، إلا أن السؤال يبقى مطروحا: ما الجدوى من هذا المجهود الضخم إذا كانت الأغلبية لا تجد مدرسة عمومية ذات جودة، ولا مستشفى دون اكتظاظ، ولا سكن دون استدانة منهكة؟
وتساءل الكاتب الأول في ختام كلمته: “ما الذي حدث حتى أصبحنا نبحث عن نموذج تنموي جديد ونحتفل بالمشروع المعد من طرف اللجنة المختصة وكأننا اخترعنا العجلة؟ في حين أن إخفاق منظومة التربية والتكوين مستمر، ومحدودية سوق الشغل تزداد ضيقا.”








تعليقات
0