إن مشروعي القانونين التنظيميين المتعلقان بمجلس النواب والأحزاب السياسية المصادق عليهما في المجلس الوزاري الذي ترأسه جلالة الملك يندرجان ضمن مسار الإصلاح السياسي والمؤسساتي الذي يعرفه المغرب وفي إطار الجهود الرامية إلى تعزيز مصداقية المؤسسات المنتخبة وتأهيل المشهد الحزبي ليواكب التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية المتسارعة (الرقمنة والذكاء الاصطناعي) التي يعيشها المجتمع.
فبعد عقد من الممارسة في ظل دستور 2011، تبرز الحاجة إلى مراجعة الإطار القانوني المنظم للحياة السياسية، بغرض تجديد النخب، وتخليق العمل الحزبي، وتثبيت الثقة بين المواطن والمؤسسات.
تخليق الاستحقاقات التشريعية وتحقيق النزاهة الانتخابية
يهدف مشروع القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب إلى إرساء أسس جديدة لانتخابات نزيهة وشفافة، تكون فيها المسؤولية السياسية مقرونة بالمشروعية الأخلاقية. فالقانون يقترح تحصين الولوج إلى المؤسسة النيابية من خلال منع كل شخص صدر في حقه حكم قضائي يفقده الأهلية الانتخابية، واستبعاد كل من ثبت تورطه في أي جريمة تمس بسلامة العمليات الانتخابية.
كما يشدد المشروع العقوبات في مواجهة الممارسات غير القانونية التي قد تؤثر في سير الانتخابات، في خطوة تروم ردع كل أشكال الفساد الانتخابي، وتعزيز مصداقية العملية الديمقراطية برمتها.
هذه المقتضيات تؤشر على تحول نوعي في فلسفة تنظيم الانتخابات، حيث لم يعد الأمر يقتصر على الجوانب الإجرائية، بل أصبح يرتبط بالقيم والمبادئ التي تؤطر السلوك السياسي، في سبيل بناء مؤسسة تشريعية قوية تستمد مشروعيتها من ثقة المواطنين، لا من الآليات التقليدية للتعبئة أو النفوذ.
تجديد النخب وتشجيع المشاركة السياسية للشباب والنساء
التحفيز المالي الموجه للشباب دون سن 35 سنة، والذي يغطي 75% من مصاريف الحملات الانتخابية، مع تبسيط شروط الترشح سواء في إطار التزكية الحزبية أو خارجها.
هذا الإجراء يعكس إرادة سياسية واضحة لتجديد النخب، من خلال منح الشباب فرصا واقعية لولوج المؤسسة التشريعية، وإشراكهم في صنع القرار العمومي الوطني.
أما في ما يتعلق بالنساء، فيقترح المشروع تخصيص الدوائر الانتخابية الجهوية حصريا لهن، وهو ما يمثل خطوة إضافية نحو تحقيق المناصفة وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص في التمثيلية السياسية، انسجاما مع مقتضيات الدستور والالتزامات الدولية للمملكة.
بهذه المقتضيات، يتجه المغرب نحو تعزيز حضور الفئات الشابة والنسائية في الحياة السياسية، بما يعكس التنوع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي داخل المجتمع، ويجعل المؤسسة التشريعية أكثر تمثيلية وواقعية.
إصلاح المنظومة الحزبية وتحسين الحكامة
يركز مشروع القانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب السياسية على تأهيل المشهد الحزبي وتطوير الإطار القانوني المنظم له، بما يضمن تحديث بنياته وتجويد أدائه.
فالقانون يسعى إلى تعزيز الشفافية المالية للأحزاب، عبر ضبط حساباتها وآليات تمويلها، وربط الدعم العمومي بحسن التدبير والمردودية السياسية. كما يهدف إلى توسيع مشاركة النساء والشباب في تأسيس الأحزاب وتسييرها، بهدف إحداث تجديد في الفكر والممارسة السياسية.
ويشكل هذا المشروع محاولة جادة لمأسسة الحكامة الحزبية، وربط الممارسة السياسية بالمبادئ الديمقراطية والشفافية والمساءلة. فالأحزاب ليست مجرد أدوات انتخابية، بل هي مؤسسات لتأطير المواطنين وصياغة التصورات والبرامج، وتكوين الأطر القادرة على تحمل المسؤوليات العمومية.
إن إخراج هذين المشروعين إلى حيز التنفيذ سيساهم في بناء مشهد سياسي جديد، قوامه النزاهة والمسؤولية والمساءلة، ويسمح بإفراز نخب حقيقية قادرة على التجاوب مع انتظارات المواطنين، و تطوير النموذج السياسي المغربي على أسس من التعددية والمواطنة والشفافية.








تعليقات
0