تحتل مسألة تمثيلية الشباب ومشاركتهم في الحياة السياسية مكانة متزايدة في النقاش العام المغربي، في ظل ما تعانيه هذه الفئة من ضعف مشاركة، وانخفاض نسبة الثقة في الأحزاب والمؤسسات السياسية.
على ذلك، طرح اقتراح لدعم الشباب المستقل الذين تقل أعمارهم عن 35 سنة للمشاركة في الانتخابات المقبلة.
ومن هنا تبرز أسئلة جوهرية تتجلى في امكانية هذا الدعم في المساهمة فعلا في فتح المجال أمام جيل جديد ، أم أنه مجرد إصلاح شكلي؟
وكيف يتوافق هذا الاقتراح مع قوانين الانتخابات المعمول بها؟ وما هي الآثار المحتملة على الأحزاب السياسية؟
للاجابة عن هذه الاسئلة لابد من مقارنة واقعية، و عرض أبرز للقوانين المنظمة للعملية الانتخابية في المملكة، ومن ثم فحص مدى انفتاحها أو حاجتها لإصلاح في شأن الشباب.
يعد القانون التنظيمي رقم 59.11 المتعلق بانتخاب أعضاء مجالس الجماعات الترابية أحد النصوص الأساسية التي تنظم انتخابات الجماعات الترابية.
كذلك، القانون رقم 57.11 المتعلق باللوائح الانتخابية العامة وعمليات الاستفتاء ينظم لوائح الناخبين وعمليات الحملات الانتخابية.
ففي شأن مشاركة الشباب تحديدا، تشير بعض المعطيات إلى أن التشريعات تشجع مشاركة النساء والشباب من خلال لوائح وطنية، إذ إن بعض المقاعد ضمن البرلمان مُخصصة لشرائح معينة.
كذلك، دراسات علمية اخرى تؤكد أن الشباب في المغرب يواجهون فجوات في تمثيلهم السياسي الرسمي، ويبحثون غالبا عن أجسام بديلة أو شكل من العمل السياسي بدلا من الأحزاب التقليدية.
من هذا المنطلق، يمكن القول إن الإطار القانوني يسمح رسميا بالمشاركة، لكن لا يتضمن – أو على الأقل ليس بوضوح – آليات تفصيلية تستهدف بشكل مباشر دعم الشباب المستقلين تحت 35 سنة، بمفهوم لوائح شبابية إلزامية ،أو حصة مخصصة واضحة كاملة .
إن المقترح الذي نوقش ينطوي على فكرة تقديم دعم مادي أو لوجستي أو معنوي للشباب المستقل أقل من 35 سنة، كي يشاركوا في الانتخابات المقبلة.
و عند النظر إليه من زوايا متعددة، يبرز عدد من المزايا والمخاطر.
المزايا المحتملة:
*تجديد النخبة: فتح مجال فعلي أمام جيلٍ أقل خبرة سياسيا، يمكن أن يجلب أفكارا وخيارات جديدة، ويعيد الحيوية للمشهد الانتخابي.
*تمثيلية أفضل للشباب: بما أن الشباب يشكلون نسبة كبيرة من السكان، فإن إشراكهم سيمثل استجابة لمطلب التمثيل والعدالة الجيلية.
*تحفيز المشاركة السياسية: في ظل عزوف الشباب عن الأحزاب التقليدية أو عن الترشح، فإن دعمهم قد يقلل من هذه الهجرة أو الانسحاب من الفعل السياسي.
المخاطر والإشكاليات:
*خبرة ومسؤولية محدودة: الشباب المستقلون قد يفتقرون إلى التجربة السياسية أو المسؤولية العامة، ما يثير تساؤلا حول قدرتهم على تحمل أعباء التمثيل أو اتخاذ القرارات في السياق المؤسساتي.
*تأثير محدود على السلطة الحقيقية: حتى لو فازوا بمقاعد، فإن آليات تشكيل الحكومة – مثل اختيار رئيس الحكومة من الحزب الأول – تجعل من الصعب أن يكون للشباب تأثير جوهري في التوجيه السياسي.
*إفراغ الأحزاب من الشباب: هل يعد هذا الدعم بمثابة تجاوز للأحزاب التقليدية؟ أو تحويل الشباب نحو مجالات مستقلة خارج الأحزاب؟ وما يعنيه ذلك من تغير في النظام الحزبي؟
*غياب التكوين والتجهيز: الشباب يحتاج إلى تمكين سياسي، تدريب، تأهيل، وإدماج فعلي قبل خوض ساحة التمثيل، وإلا فإن مشاركتهم قد تظل شكلية أو رمزية فقط.
إن النظام الانتخابي الحالي لا يلزم فئة الشباب أقل من35 سنة بحصة محددة، بل توجد بعض التخصيصات كما في مقاعد مخصصة للشباب أقل من 40 سنة ضمن لائحة وطنية سنة 2011.
المقترح يذهب أبعد: ليس التمثيل فقط، بل دعم مستقلين أصغر سنا، وهو ما قد يشكل نمطا موازيا أو مكملا للنظام الحزبي التقليدي.
من جهة، هذا قد يعزز التمثيل المباشر للشباب. و من جهة أخرى، قد يضعف من منطق الأحزاب التي تعد الوسيلة النظامية للتعبير السياسي الجماعي، خاصة إذا لم تدمج هذه المبادرة داخل الأحزاب.
كما أن مناخ الانتخابات وحجم التمثيل (مثلا رئاسة الحكومة تكلف عادة لمن يحصل على أكبر عدد من المقاعد الحزبية) يجعل تأثير التغيير الفردي أو الشبابي محدودا ما لم يكن مرتبطا بحزب أو تحالف قوي.
انطلاقا من كل ذلك يمكن طرح التساؤلات التالية:
*هل من الأولى أن يطرح قانون يفرض لائحة شبابية وطنية أو جهوية إلزامية (مثلا لائحة خاصة بالشباب أقل من 35) تخول تمثيليتهم داخل المجالس؟ (انطلاقا من تجارب الدول التي اعتمدت حصصا شبابية).
*هل يمكن اعتبار أن هذا النوع من الدعم للشباب المستقل هو تجديد للأحزاب أم أنه إفراغ لها من البعد الشاب داخل هيكليتها؟ بعبارة أخرى، هل يدعم الأحزاب أو يتجاوزها؟
*هل هذه الخطوة هي بداية تكوين حزب جديد شبابي بمعزل عن الأحزاب الحالية، كما حصل في تجارب سابقة في دول أخرى؟
*كيف يمكن معالجة مسألة غياب التكوين والتجربة لدى الشباب المشاركين؟ هل يكتفى بالدعم المادي أو اللوجستي، أم يجب أن يصاحبه برنامج تأهيل مكثف؟
*وأخيرا، كيف نتأكد من أن مشاركة الشباب ليست مجرد حضور شكلي، بل تأثير حقيقي في النظام السياسي، وليس مجرد محاولة تحسين الصورة؟
للاجاباة عن هذه التساؤلات التي تؤرق متتبع الشأن السياسي ،فلابد من اقتراحات وحلول ممكنة
لمعالجة الإشكاليات وضمان أن يكون تمثيل الشباب فعليا ومؤثرا، يمكن النظر في بعض الحلول التالية:
1. دمج الشباب داخل الأحزاب السياسية: بدلا من دعمهم بالكامل ككيانات مستقلة، يمكن اعتماد نظام يلزم الأحزاب بتخصيص نسبة من مرشحيها (مثلاً 10-15 %) من الشباب أقل من 35، مع دعم التكوين والتأهيل داخل الحزب.
2. برامج تكوين وتأهيل مركزة: إطلاق برامج وطنية أو جهوية (بالتعاون بين الدولة، الجامعات، والمجتمع المدني) لتدريب الشباب على العمل السياسي، التمثيل، القيادة، الثقافة التشاركية، والإضراب المؤسساتي. مثل مبادرات موجودة لكنها بحاجة للتوسيع.
3. لائحة شبابية طوعية داخل الأحزاب: إمكانية اقتراح أن تكون ضمن كل حزب لائحة داخلية للشباب، تدرج في الترشيحات، مع حوافز تنظيمية لضمها للائحة العامة.
4. آليات مراقبة وتقييم: وضع مؤشرات لمتابعة أداء الشباب المنتخبين – مثلا حضورهم، تدخلاتهم، مواقفهم – لقياس إن كان تمثيلهم لم يكن رمزيا فقط.
5. تمكين قانوني مكمل: إن اقترحت آلية لائحة شبابية إلزامية أو دعم مستقل، ينبغي أن تندمج في التعديل القانوني للنظام الانتخابي، مع ضمان عدم تقويض مكانة الأحزاب، ومع احترام مبدأ التمثيل السياسي الجماعي.
6. شراكة بين الدولة والمجتمع المدني: تشجيع منظمات شبابية تشارك في عملية الترشح والمرافقة للمرشحين الشباب، لتعزيز قدراتهم وربطهم بالمجتمع المحلي.
عموما ،و بناءا على كل ما سبق ذكره هو أن دعم الشباب المستقلين أقل من 35 سنة في الانتخابات المقبلة يعد مبادرة إيجابية في سياق الحاجة إلى تجديد النخبة وزيادة تمثيلية فئة مهمة من المواطنين. لكن نجاح هذا المقترح يتوقف على الكيفية التي ينفذ بها هذا الدعم كونه دعما تكميليا داخل الأحزاب، أم خطوة خارجها تؤدي إلى تفكيك دور الأحزاب التقليدية؟ كذلك، لا يمكن إغفال أن النظام الانتخابي في المغرب، رغم الإصلاحات، لا يزال يهيمن عليه منطق الأحزاب الكبرى وتحالفاتها، كما أن اختيار رئيس الحكومة يتم عبر الحزب الأول، مما يقلل إلى حد ما من هامش التأثير الفردي للشباب المنتخبين.
من ثم، فإن الطريق الأمثل قد يكون في تعزيز الأحزاب السياسية عبر دمج الشباب فعليا فيها، مع دعم تكوينهم وتمكينهم من التأثير، بدلا من رؤية المبادرة كتحد للأحزاب أو بديل عنها.
بهذا، يمكن أن يحدث تجديد فعلي في المشهد السياسي، دون المس بوظيفته الأساسية كمؤسسة تمثيلية وتنظيمية للحياة السياسية.
في الختام، يبقى السؤال الأهم هو هل سيكون هذا الدعم منطلقا لتمثيلية حقيقية تنعكس في السياسات والممارسات، أم مجرد تجميل شكلي؟
وهل سنشهد تحولا في التموضعات الحزبية والسياسية استجابة لجيل ناشئ؟
إن الزمن والنتائج القادمة كفيلان بالإجابة عن كل هذه التساؤلات و الفرضيات و الاقتراحات.








تعليقات
0