تحولت جلسة مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2026 بلجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب إلى منبر سياسي حادّ، رسم فيه رئيس الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية، عبد الرحيم شهيد، لوحة قاتمة عن أداء الحكومة، متهماً إياها بـ”تكرار الخطاب الوردي”، و”الفشل في تحقيق التزاماتها الاجتماعية والاقتصادية”، وبتحويل المديونية إلى “ركيزة للتوازن المالي بدل أن تكون أداة للإصلاح”.
استهل شهيد كلمته بتعبير المعارضة الاتحادية عن اعتزازها بإنجاز المنتخب الوطني للشباب المتوج بكأس العالم لأقل من عشرين سنة، معتبراً هذا النصر “تجسيداً لطموح المغاربة في الريادة”. كما أشاد بالمجهودات الدبلوماسية المغربية تحت قيادة الملك محمد السادس في ترسيخ مغربية الصحراء، وبدعم المنتظم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي.
وفي سياق موازٍ، ذكّر رئيس الفريق الاشتراكي بالمأساة الإنسانية التي يعيشها الشعب الفلسطيني، مديناً “جرائم الإبادة التي ترتكبها الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة”، ومؤكداً أن “السلام في الشرق الأوسط لن يتحقق إلا بقيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية”.
فتح شهيد قوساً طويلاً حول ما وصفه بـ”حملة التبخيس الممنهجة ضد المعارضة”، معتبراً أن التاريخ السياسي المغربي الحديث بُني بتضحيات المعارضين الذين “دفع بعضهم حياتهم ثمناً من أجل الديمقراطية”. واستحضر تجربة عبد الرحمان اليوسفي وإدريس بنزكري كنموذجين لمعنى الوفاء للمؤسسات، قائلاً: “المعارضة التي حُكم قادتها بالإعدام أو قضوا عقدين في السجن هم من عادوا لبناء الدولة الديمقراطية التوافقية مع المؤسسة الملكية.”
وأضاف: “التاريخ لا يمكن أن يُزوّر بالخطابات الشعبوية، والدساتير لم تُكتب في غياب المعارضة بل بفضل نضالها المتواصل.”
قانون مالية بلا جرأة في زمن استثنائي
انتقل شهيد إلى جوهر النقاش، مسجلاً أن قانون المالية المعروض “خامس قانون في عهد هذه الحكومة”، ومع ذلك يكرّر “نفس الوعود والتبريرات”، دون أثر فعلي على معيش المواطنين.
وقال: “جئتم بمشروع قانون عادي كماً وكيفاً في زمن استثنائي، رغم الخطابين الملكيين الأخيرين اللذين شدّدا على العدالة الاجتماعية والمجالية.”
وانتقد ما وصفه بـ”الطابع التقني البارد للنص المالي”، مقابل غياب “اللمسة السياسية الجريئة” في معالجة البطالة والهدر المدرسي والأزمات الصحية والتعليمية.
كما اعتبر أن الحكومة عادت إلى الحديث عن “التوازنات المالية” بعدما كانت تتغنى بـ”الاستدامة”، مما يعكس – في نظره – “تراجعاً واضحاً في الثقة والقدرة على مواجهة التحديات”.
فوارق صارخة بين أرقام الحكومة وبنك المغرب
وقف شهيد مطولاً عند ما وصفه بـ”اختلالات منهجية في تقديرات الحكومة”، متسائلاً عن الفوارق الكبيرة بين فرضيات النمو والعجز والمحصول الزراعي مقارنة بتقديرات بنك المغرب.
وقال: “كيف يمكن أن يختلف الحساب حول محصول الحبوب بأكثر من 20 مليون قنطار بين مؤسستين تستندان إلى نفس المرجع؟”
واعتبر أن هذا التناقض “يضرب مصداقية التوقعات الحكومية”، مشيراً إلى أن “كل المؤشرات تؤكد تراجع النمو واستمرار بطئه رغم خمس قوانين مالية متتالية”.
المديونية والتوازنات المرهقة
اتهم رئيس الفريق الاشتراكي الحكومة بتحويل المديونية إلى سياسة دائمة بدل أن تكون أداة ظرفية، قائلاً إن “رصيد الميزانية العامة سيبلغ ناقص 107 مليار درهم سنة 2026″، وأن “الاقتراضات المتوسطة والطويلة الأجل ارتفعت إلى 123 مليار درهم”.
وأوضح أن “المديونية الإجمالية تجاوزت 1124 مليار درهم، مقابل 885 ملياراً عند تسلم الحكومة الحالية لمهامها”، منتقداً “الارتهان للمستثمرين الأجانب وتراجع استقلالية القرار المالي”.
كما اعتبر أن الحديث عن “ترشيد النفقات” لا ينسجم مع ارتفاع نفقات التسيير من 242 مليار درهم سنة 2022 إلى 347 ملياراً سنة 2026، وارتفاع النفقات الجبائية إلى أكثر من 32 مليار درهم، مبرزاً أن “قطاعات اجتماعية كالصحة والتعليم لا تستفيد سوى من نسب ضئيلة لا تتعدى 8 في المائة مجتمعة”.
غياب العدالة الضريبية
اتهم شهيد الحكومة بتغليب مصالح فئات محددة في الإصلاح الضريبي، مذكّراً بأن “أكثر من 73 في المائة من الضريبة على الدخل تُقتطع من أجور الموظفين”، بينما “تستفيد الشركات الكبرى من الإعفاءات والتحفيزات”.
وقال: “أين العدالة حين يدفع الموظف أكثر من المقاولة؟ وأين العدالة حين تُفرض الضريبة على الدواء والغذاء بينما تتراخون في محاربة التهرب الضريبي؟”
كما انتقد اعتماد الحكومة على “التحصيل الإداري والعقوبات” بدل إصلاح البنية الجبائية، واعتبر أن “الضريبة تحولت من أداة تنموية إلى وسيلة لتكميم القدرة الشرائية”.
حصيلة خمس سنوات: ديون وتراجعات وتضارب أرقام
سرد رئيس الفريق الاتحادي عشر ملاحظات أساسية تشكل، في رأيه، “حصيلة حكومة الكفاءات”:
منها عدم تصديق المجلس الأعلى للحسابات على حسابات الدولة منذ 2020، ووجود تضارب في معطيات الحماية الاجتماعية، واستمرار عجز مزدوج في الميزانية والميزان التجاري، وارتفاع مهول في البطالة تجاوز 13%، مقابل وعود بتوفير نصف مليون منصب شغل لم يتحقق منها شيء.
وأضاف أن “الاقتصاد الوطني يراوح مكانه بنمو لا يتجاوز 3.5% في المتوسط”، وأن “8.5 مليون مغربي خارج التغطية الصحية”، و”2.5 مليون يعيشون تحت خط الفقر”، معتبراً أن الحكومة “كرست الهشاشة وضربت القدرة الشرائية وأهدرت زمن الإصلاحات الهيكلية الكبرى”.
دعوة إلى تقييم شامل للمسار التنموي
اختتم شهيد مداخلته بتأكيد هوية المعارضة الاتحادية كـ”معارضة ديمقراطية اجتماعية مسؤولة لا تتاجر بالشعبوية”، داعياً إلى تقييم حقيقي للنموذج التنموي وإطلاق إصلاحات عميقة في الاستثمار والتعليم والتقاعد والمقاصة.
وقال بنبرة نقدية لاذعة: “لم يتبقّ لنا سوى الدعاء أن يعين الله بلادنا على هذا الإرث الثقيل الذي ستتركونه من بعدكم.”








تعليقات
0