حملة منظمة لإسقاط الاتحاد الاشتراكي: هل نشهد حربا سياسية بأدوات إعلامية؟

ittihadpress السبت 21 فبراير 2026 - 13:08 l عدد الزيارات : 62186

تحول انتقال عبدالهادي خيرات إلى حزب التقدم والاشتراكية إلى مناسبة استثنائية لشن حملة منظمة ضد حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بأكمله. لم يكن الأمر مجرد تغطية إعلامية عادية لحدث سياسي، بل كان هجوما مدروسا استخدم فيه خصوم الحزب كل الوسائل المتاحة للتشكيك في قدرته على الاستمرار وتصويره كتنظيم يعيش لحظاته الأخيرة. هذا التكالب الواضح يطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الخلافات السياسية في المغرب وحدود المنافسة الشريفة بين الأحزاب.

التحاق خيرات بحزب جديد ، وإن كانت تعكس أزمة ثقافة التشبت بقيم الانتماء السياسي وأخلاقيات الفعل السياسي الملتزم ، إلا أن الضجة المفتعلة حولها تجاوزت حدود التناول الموضوعي لتصبح أداة لتحقيق أهداف أخرى. فالترحال السياسي بين الأحزاب ليس ظاهرة صحية في أي نظام ديمقراطي، بل هو مؤشر على ضعف الانتماء الإيديولوجي وغياب الثوابت السياسية الواضحة. عندما ينتقل سياسي من حزب إلى آخر، فهذا يعني أن المبادئ التي كان يدافع عنها بالأمس لم تعد ذات قيمة اليوم، أو أن انتماءه الأول لم يكن مبنيا على قناعات راسخة بل على حسابات ظرفية. لكن المثير في الحالة هاته والمعطى الأبرز الذي غيبه المحللون ” فوق العادة ” المدونون تحت الطلب ” يتمثل في ان خيرات قطع علاقته بحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية منذ ما يزيد عن 12 عشر سنة طواعية ومن تلقاء نفسه ، فأي غاية يسعى خصوم الاتحاد الاشتراكي لتحقيقها عبر استغلهم للاتحاق خيرات بحزب التقدم والاشتراكية وتحويل الواقعة إلى قضية رأي عام تم ربطها بحزب الاتحاد .

اذ تابع المغاربة خلال الأيام الماضية حملة إعلامية وسياسية لم تستهدف فهم أسباب التحاق خيرات بحزب التقدم والاشتراكية أو تحليل ظروفها الذاتية التي تخص خيرات وحده ، بل سعت بشكل واضح إلى استخدامها كدليل قاطع على فشل حزب الاتحاد الاشتراكي وانهياره الوشيك وكأن الأمر يتمثل في ” استقالة تم وضعها صباحا في مقر الاتحاد ، وتلاها التحاق خيرات بالتقدم والاشتراكية مساءا ” والحقيقة هو ان خيرات قطع علاقته بالاتحاد منذ ما يزيد عن 12 عاما ، غير ان مساعي الأقلام المكلفة بمهمة النيل من الاتحاد اختزلت 12 عاما من القطيعة التنظيمية للمعني بالأمر مع الحزب الام ،وتغاضت عن هذا المعطى الذي يفسر كل شيء سوى تفسير دواعي استخدام عبارات ثقيلة مثل “التفكك” و”الأزمة العميقة” و”نهاية الحزب التاريخي”، وكأن انسحاب عضو واحد كافية للحكم على تنظيم سياسي بالموت ولو بعد 12 عاما . هذا التضخيم المتعمد للحدث يكشف عن نوايا مبيتة لا علاقة لها بالتحليل السياسي الموضوعي، بل بالرغبة في توجيه ضربة قاسية للحزب واستثمار أي ثغرة لتحقيق هذا الهدف.

الأطراف التي انخرطت بحماس في هذه الحملة معروفة بعدائها التاريخي للاتحاد الاشتراكي. هؤلاء لم يخفوا أبدا رفضهم للخط السياسي الذي يمثله الحزب، ولم يتوانوا في أي فرصة عن الهجوم عليه ومحاولة تشويه صورته. لكن اللافت هذه المرة هو حجم التنسيق الذي بدا واضحا في التعليقات والتحليلات، وكأن الأمر كان محضرا له سلفا وكان خبر التحاق رفيق يرافقه الجدد مجرد إشارة البداية لتنفيذ خطة جاهزة. هذا التكالب الممنهج يطرح سؤالا محوريا: لماذا كل هذا الخوف من الاتحاد الاشتراكي؟

الإجابة تكمن فيما يمثله الحزب من خطر حقيقي على مصالح فئات معينة. فالاتحاد الاشتراكي ظل طوال تاريخه حزبا يدافع عن الطبقات الشعبية ويطالب بالعدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الثروة بشكل عادل. هذا الخط السياسي يصطدم مباشرة مع مصالح قوى اقتصادية وسياسية تستفيد من الوضع القائم وتقاوم أي محاولة لتغييره. لذلك، فإن إضعاف الحزب أو إخراجه من المعادلة السياسية يمثل هدفا استراتيجيا لهذه القوى، ومن هنا يأتي الحرص الشديد على استثمار كل فرصة، مهما كانت بسيطة، للنيل منه.

ما يثير الاستغراب أكثر هو المعايير المزدوجة التي تحكم هذه الحملة. فبينما يتم تضخيم كل واقعة ذات صلة بالاتحاد حتى وان كان واقع حال الاتحاد منها براء ، نجد أن استقالات ذات راهنية مماثلة لما يتم ترويجه الان ” تدليسا “أو حتى أكبر في أحزاب أخرى تمر دون ضجة أو اهتمام. بل إن بعض الأحزاب التي ينتمي إليها من يهاجمون الاتحاد الاشتراكي شهدت هي نفسها انشقاقات واسعة واستقالات جماعية، لكن ذلك لم يدفع أحدا إلى الحديث عن انهيارها أو نهايتها. هذا الانتقاء المتعمد في التعامل مع الأحداث يؤكد أن الأمر لا يتعلق بقراءة موضوعية للواقع السياسي، بل بحسابات ضيقة ورغبة في الانتقام من خصم سياسي.

التكالب على الاتحاد الاشتراكي يعكس أيضا خوفا دفينا من قدرته على النهوض من جديد. فالحزب الذي له رصيد نضالي طويل وقاعدة شعبية واسعة، رغم التحديات التي يواجهها، يبقى قادرا على استعادة موقعه نتيجة العمل القاعدي الذي كرس جهدا منقطع النظير للانتصار لمنطق حزب المؤسسات طيلة السنوات الماضية إلى حدود اليوم . هذا الاحتمال يقلق خصوم الحزب الذين يفضلون رؤيته خارج المشهد السياسي نهائيا، ولذلك يسعون إلى ضربه قبل أن يتمكن من التجدد واستعادة عافيته.

المشكلة الأعمق في هذا المشهد هي أنه يكشف عن أزمة حقيقية في الثقافة السياسية المغربية. فبدلا من التنافس على أساس البرامج والأفكار، لا يزال منطق الإقصاء والتشفي ولو في غياب ما يستحق التشفي هو السائد. وبدلا من احترام التعددية السياسية والاعتراف بحق كل حزب في الوجود والعمل، نجد محاولات مستمرة لإلغاء الخصم السياسي وتصويره كعدو يجب التخلص منه. هذا المنطق يضر بالديمقراطية نفسها، لأنه يحول الحياة السياسية إلى ساحة حرب لا مكان فيها للحوار أو التعايش.

الحملة الموجهة ضد الاتحاد الاشتراكي ليست مجرد رد فعل على استقالة عضو رغم انها ” استقالة مزعومة ” وذات رهينة فقط في عقول المروجين لها ، بل هي جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى تفكيك ما تبقى من الأحزاب اليسارية والتقدمية في المغرب. هذه القوى السياسية، رغم تراجعها الانتخابي في السنوات الأخيرة، ظلت وستظل تمثل صوتا مزعجا للكثيرين لأنها تطرح أسئلة حول العدالة الاجتماعية والفوارق الطبقية وحقوق الفقراء. إسكات هذا الصوت أو تهميشه يخدم أجندات سياسية واقتصادية معينة، ولذلك نشهد هذا التكالب الممنهج على الحزب.

في نهاية المطاف، ما حدث بعد هذه الفقاعة المصطنعة تمثل درسا مهما في كيفية استخدام الإعلام والخطاب السياسي لتحقيق أهداف غير معلنة. الحدث كان يحتمل قراءة موضوعية للمشهد وبعيدا عن حزب الاتحاد الاشتراكي ، لكن التوظيف السياسي له كان كبيرا ومدروسا.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image