بعد عام من السجن في قضية أعادت إلى الواجهة واقع حرية التعبير في الجزائر، غادر الكاتب الجزائري الفرنسي بوعلام صنصال بلاده متوجهاً إلى ألمانيا لتلقي العلاج، عقب عفو رئاسي استثنائي جاء بطلب من الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير واستجابة من نظيره الجزائري عبد المجيد تبون.
بوعلام صنصال، البالغ من العمر 81 عاماً، يُعد أحد أبرز الوجوه الأدبية الفرانكفونية في شمال إفريقيا، وصاحب روايات جريئة نالت شهرة عالمية مثل 2084: نهاية العالم، التي انتقد فيها الفكر الشمولي والدogمات الدينية والسياسية. كاتب لا يساوم ولا يصمت، لكنه وجد نفسه خلف القضبان في بلده، بعد إدانته بتهمة “المساس بالوحدة الوطنية”، إثر تصريحات صحفية اعتُبرت “مسيئة للدولة الجزائرية” حين تحدث عن الحدود الموروثة من الاستعمار الفرنسي، مشيراً إلى أن بعض المناطق الغربية، مثل وهران ومعسكر، كانت تاريخياً تابعة للمغرب.
لم يكن الحكم بالسجن لخمس سنوات، الذي أيدته محكمة الاستئناف في يوليوز الماضي، مجرد عقوبة قضائية، بل إشارة قاسية إلى ما بلغه التضييق على حرية الرأي في الجزائر. خصوصاً أن صنصال كان يعاني من مرض السرطان ووضع صحي هش، ما جعل قضيته إنسانية قبل أن تكون سياسية.
في برلين، حيث سيتابع علاجه في مستشفى “شاريتي” الشهير الذي استقبل من قبل معارضين بارزين مثل أليكسي نافالني ويوليا تيموشينكو، يتحول مشهد وصول صنصال إلى أكثر من مجرد سفر للعلاج. إنها صورة مثقف منفيّ، يغادر وطنه لا بحثاً عن الراحة، بل دفاعاً عن حقه في التفكير بحرية — عن وطنٍ يضيق بأبنائه كلما نطقوا بما يزعج السلطة.
ابنته صبيحة صنصال قالت من مقر إقامتها في التشيك إنها كانت تخشى أن يموت والدها في السجن، مؤكدة أنها لم تفقد الأمل يوماً في أن يُفرج عنه.
منظمة “مراسلون بلا حدود” رحّبت بالعفو لكنها طالبت السلطات الجزائرية بجعل هذه الخطوة بداية لطي صفحة الاعتقالات التعسفية، مذكّرة بملفات صحافيين وكتاب آخرين يقبعون خلف القضبان فقط لأنهم كتبوا أو تحدثوا بحرية.
خلف هذا “العفو الإنساني” تختبئ حقيقة أكثر مرارة: بلدٌ لا يزال يساوي بين الكلمة والجريمة، وبين الفكر والمعصية. ومع مغادرة بوعلام صنصال الجزائر، يبقى السؤال معلقاً في سماء البلاد الثقيلة بالسكوت:
كم من الأصوات الحرة ما زالت تنتظر تذكرة خروج من صمت السجون؟








تعليقات
0