أطل علينا توفيق بوعشرين “بطل صحافة الكنبة” قبل أيام فيما يمكن تسميته ” هلوسات في السياسة” بحديث عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وقياداته وهو المغرم الولهان بكل ما يتعلق بالحزب ورموزه لدرجة الهذيان والهلوسة .
ولكونه لايتقن إلا لغة الكنبة مهما حاول جاهدا إيهامنا بغير ذلك، فقد حول النقاش السياسي إلى مرثية انفعالية، واستبدل التحليل بالتشبيه.هنا ندرك جليا أن المعركة ليست حول الأفكار بل حول الذاكرة والرموز.
أعتقد أن النقد السياسي مشروع، بل ضروري في الحياة الحزبية. لكن التوصيفات من قبيل “تحنيط الجثة” و”الكارتيل العائلي” و”القروش” ليست حججًا سياسية، بل صور بلاغية تبحث عن وقعٍ نفسي أكثر مما تبحث عن حقيقة قابلة للتحقق وتؤكد أن لسان بطل الكنبة أصابه مس من “الشذوذ” وجعله يتحدث بلسان من يحن إلى الرعشة الكبرى ويطلق العنان لهلوساته .
لقد نسي المهلوس أو تناسى أن حزب الاتحاد الاشتراكي تنظيم سياسي قائم بقوانينه ومؤسساته ومؤتمراته وانتخاباته.
قوته لا تُقاس بمدى رضا هذا الاسم أو ذاك، بل بقدرته على الاستمرار في الاشتغال داخل المشهد السياسي، في الأغلبية حينًا وفي المعارضة حينًا آخر، وفق تقديراته وخياراته المؤطرة ديمقراطيًا.
أما الحديث عن “موت الحزب”، فهو تعبير سهل التداول وصعب الإثبات وقد سبقع للحديث عن من شكل لهم الاتحاد الاشتراكي في تطوره عقدة نفسية يصعب حلها .
هنا نقول لهم جميعا ، الأحزاب تموت حين تتوقف عن عقد مؤتمراتها، أو حين تفقد تمثيليتها، أو حين تعجز عن تجديد هياكلها. والاتحاد الاشتراكي ليومنا هذا ما يزال فاعلًا في البرلمان والجماعات والمؤسسات، ويخوض استحقاقاته باسمه وببرنامجه.
الاختلاف مع القيادة لا يحول التنظيم إلى جثة، كما أن مغادرة البعض ممن انسحبوا منذ سنوات من المشهد لا تعني انهيار البيت الاتحادي لكون السياسة ليست مشهدًا شعريًا، بل دينامية مستمرة ولا تتوقف عند هذا الإسم أو ذاك.
في ما يتعلق بالمسار القضائي الذي أثاره بطل الكنبة، فإن محاولة ربط مواقف محامين أو هيئات حزبية بقضية كانت معروضة أمام القضاء وإضفاء طابع شخصي عليها، هو تبسيط مخلّ لمسار قانوني معقد.
قضية توفيق بوعشرين نظرت فيها غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، وأصدرت أحكامًا خضعت لمراحل الطعن المعروفة. المواقف الحزبية أو الحقوقية في مثل هذه القضايا تُقرأ في سياقها، ولا تختزل في صورة أو انطباع أو رواية ذاتية. القضاء مؤسسة مستقلة، ومساراته لا تُفسَّر ببلاغة الخصوم.
ثم لننتقل للرد على هلوسات من يصدق عليه القول” إذا لم تستحي فقل ماشئت..”
إن استدعاء رموز تاريخية مثل عبد الرحيم بوعبيد أو لحظات مفصلية من تاريخ الصراع السياسي، لا يمنح أي طرف صك احتكار الشرعية الاتحادية.
التاريخ يُستحضر للاسترشاد، لا للاستثمار العاطفي. الاتحاد الذي ناضل في سنوات صعبة، هو نفسه الذي تطور داخل مؤسسات الدولة مع حكومة التناوب و بعد دستور 2011، وشارك في حكومات متعددة، واختار أحيانًا تموقعًا براغماتيًا يخضع لميزان القوى لا لقصائد الحنين.
الاتحاد الاشتراكي ليس معصومًا، ولم يدّعِ يومًا ذلك. لكنه أيضًا ليس صفحة من الماضي تُكتب بزمن “كان”. الأحزاب التي تحمل تاريخًا طويلاً تتغير، تعيد ترتيب صفوفها، وتدخل دورات صعود وهبوط. هذا قانون السياسة في كل الديمقراطيات، من اليسار الفرنسي إلى الاشتراكية الإسبانية، وليس استثناءً مغربيًا.
المفارقة أن من يعلن “موت الحزب” لا يكف عن الكتابة عنه. والأموات، في العادة، لا يثيرون هذا القدر من الانشغال. أما الاتحاد، فوجوده السياسي يُقاس بقدرته على الاستمرار في طرح أفكاره داخل المؤسسات، لا بحجم المراثي التي تُكتب حوله.
في النهاية، النقاش حول مستقبل الاتحاد ينبغي أن يظل نقاشًا سياسيًا مؤسسًا على الوقائع والبرامج، لا على السرديات الشخصية. فالأحزاب تُحاسَب بعملها ومواقفها، لا بصور بلاغية عابرة. والسياسة، مهما اشتدت، تظل مجالًا للاختلاف المشروع، لا لتصفية الحسابات الرمزية.
الأحزاب لا تُقاس بدرجة الرضا عنها، بل بقدرتها على الاستمرار في خدمة فكرة، مهما اختلفنا حول طرق تنزيلها. والسياسة، مهما اشتدت، تظل ساحة للاختلاف المشروع .
نعتقد أن بطل الكنبة وهو يحاول من خلال هلوساته أن يعطي الدروس موهما المتلقي بأنه يتقن فن التحليل والإحالة قد تناسى أن هناك ضحايا كنبته وضحايا مقاولته من لم يكفوا عن لعنته صباح مساء كلما تسرب إليهم خلسة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.. وإن لم تستحيي فلا تقل ما شئت…
وللحديث بقية.








تعليقات
0