شدّد وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، الأربعاء 19 نونبر، بمجلس النواب، على أن حماية المسار الانتخابي لم تعد مجرد خيار تنظيمي، بل باتت ضرورة سياسية وأمنية في ظل التحولات الرقمية المتسارعة. الوزير بدا صارماً وهو يؤكد أن المنظومة التشريعية المؤطرة للانتخابات صُمّمت أساساً لـ«تخليق العملية الانتخابية والسياسية»، لكنها أصبحت اليوم مطالبة بمواجهة ظواهر جديدة أكثر تعقيداً.
لفتيت أشار إلى أن المقتضيات الجديدة التي تُجرّم استعمال وسائل التواصل الاجتماعي لارتكاب جرائم انتخابية لم تأتِ عبثاً. فمع تنامي منصات التواصل وانتشار المحتوى الفوري، ومع التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي وقدرته على إنتاج صور ومواد صوتية وفيديوهات مفبركة عالية الدقة، ظهرت ــ بحسب تعبيره ــ «حقائق زائفة» قادرة على التأثير المباشر في خيارات الناخبين، وتوجيه الرأي العام بطريقة يصعب كشفها دون أدوات تشريعية ورقابية قوية.
ولم يتردد الوزير في التأكيد على أن المخاطر الجديدة «تفرض الاحتراز أكثر وتشديد العقوبات»، مشدداً على أن الدولة لن تتساهل مع أي محاولة لاستعمال التكنولوجيات الحديثة في التلاعب بالمسار الانتخابي، سواء عبر بث الشائعات أو توجيه الناخبين أو تضليلهم، أو عبر حملات ممنهجة تستغل ذكاءً اصطناعياً متطوراً لخلق وقائع مختلقة.
هذا التحذير يعكس، في العمق، إدراكاً رسمياً بأن الفضاء الانتخابي لم يعد يقف عند حدود الحملات التقليدية، بل انتقل إلى ساحات رقمية تتغير قواعدها بسرعة. وهو ما يستدعي، وفق رؤية وزارة الداخلية، تقوية آليات الرصد والمتابعة، وملاءمة النصوص القانونية مع تحديات زمن «الخوارزميات» و«المحتوى التوليدي».
ويبدو أن القادم من الاستحقاقات الانتخابية سيكون مختلفاً تماماً عن سابقاته. فالمعركة لم تعد بين برامج وأحزاب فحسب، بل أصبحت أيضاً بين الحقيقة والتزييف، وبين المشاركة الواعية والدعاية التضليلية. رسالة الوزير كانت واضحة: الدولة مستعدة لتشديد المراقبة وتفعيل الجزاءات، حمايةً لثقة المواطنين، وصوناً لسلامة العملية الديمقراطية في عصر تتقاطع فيه السياسة مع التكنولوجيا بشكل غير مسبوق.
المناخ الرقمي المتقلب يفتح الباب أمام نقاش أوسع داخل المؤسسة التشريعية حول حدود الحرية والمسؤولية، وحول كيفية ضمان توازن دقيق بين حماية التعبير السياسي المشروع وردع التجاوزات الناعمة التي تمر عبر منصات افتراضية لا تقل تأثيراً عن الفضاء العام الحقيقي.








تعليقات
0