رئيس أركان الجيش الفرنسي ينبه إلى خطر حرب أوروبية–روسية… وجدَل واسع حول استعداد فرنسا لمرحلة التضحيات الصعبة

rami السبت 22 نوفمبر 2025 - 22:43 l عدد الزيارات : 59803

تعيش فرنسا منذ أيام على وقع نقاش محتدم أثارته تصريحات غير مسبوقة لرئيس أركان الجيش الفرنسي فابيان ماندون، بعدما وجّه تحذيراً صريحاً من احتمال مواجهة القارة الأوروبية لمرحلة خطرة خلال السنوات المقبلة، في ظل ما وصفه بتدهور سريع للبيئة الجيوسياسية وارتفاع مستوى التهديدات التي تطاول الدول الأوروبية، وفي مقدمتها فرنسا. التصريحات التي جاءت خلال مؤتمر مخصص لرؤساء البلديات الفرنسية لم تكن مجرد قراءة عابرة للوضع الدولي، بل بدت أقرب إلى دعوة لإعادة ترتيب أولويات البلاد واستعادة ما أسماه ماندون “القوة المعنوية” التي تجعل المجتمع قادراً على تقبل التضحيات الممكنة دفاعاً عن هويته ومصالحه العليا.

الكلمات التي استعملها رئيس الأركان كان لها وقع الصدمة لدى جزء واسع من الرأي العام، خصوصاً عندما تحدث عن ضرورة أن تكون فرنسا “مستعدة لقبول فقدان أبنائها” إذا فرضت الظروف ذلك. هذا التعبير، الذي قدّمه ماندون باعتباره توصيفاً لطبيعة الالتزام العسكري وليس دعوة للحرب، سرعان ما عرّضه لانتقادات شديدة من المعارضة وعدد من السياسيين الذين اتهموه باعتماد خطاب تعبوي قد يهيئ المجتمع الفرنسي لفكرة الانجرار إلى مواجهة عسكرية مباشرة في أوروبا. خصومه رأوا في هذه اللغة انزياحاً خطيراً عن الدور المفترض لمؤسسة عسكرية يفترض أن تلتزم الحياد السياسي، وأن لا تمهّد نفسياً لتصورات تحتمل “إرسال الشباب الفرنسي إلى ساحات القتال”.

أمام هذا الجدل المتصاعد، اختار ماندون الرد مباشرة من خلال مقابلة مطولة على قناة “فرانس 5”، مؤكداً أنه يتفهم مشاعر القلق لدى بعض المواطنين، لكنه شدد على أن الهدف من مداخلته لم يكن إطلاق إنذار عشوائي أو إثارة مخاوف جماعية، بل تنبيه المنتخبين المحليين إلى حقيقة ما يجري على حدود أوروبا وفي محيطها الإستراتيجي، باعتبارهم مسؤولين عن جزء من التعبئة المجتمعية وعن إدارة الطوارئ المحتملة. وقال بوضوح إن “الواقع يتغير بسرعة غير مسبوقة”، وإنه من واجبه، بصفته رئيساً للأركان، المشاركة بهذا التقييم مع المسؤولين المدنيين، حتى يكونوا على دراية بما قد تفرضه المرحلة المقبلة.

ماندون أوضح أن ما قاله ليس اجتهاداً شخصياً، بل جزء من تحليل توافقي تشترك فيه الدول الأوروبية قاطبة، وأن خطر روسيا لا يشكل استثناءً فرنسياً بل هو محور تقييمات أمنية مشتركة داخل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي. ولتعزيز حجته، ذكّر بأن هذه المخاطر منصوص عليها بوضوح في “المراجعة الاستراتيجية الوطنية 2025”، الوثيقة التي تحدد أبرز التهديدات التي تواجه فرنسا وتضع سيناريوهات محتملة لفترة تمتد إلى بداية العقد القادم. هذه الوثيقة الرسمية تشير بوضوح إلى ضرورة استعداد فرنسا لاحتمال “انخراط كبير وكثيف” في محيط أوروبا خلال الفترة ما بين 2027 و2030، بالتزامن مع توقع ارتفاع غير مسبوق للهجمات الهجينة التي قد تستهدف الأراضي الفرنسية، من اختراقات سيبرانية إلى حملات استهداف للمجتمع ومؤسساته الحيوية.

وعندما طُلب منه تفسير عبارته حول “قبول فقدان الأبناء”، أوضح ماندون أن ما قاله ليس سوى وصف لواقع يعرفه جميع المنخرطين في القوات المسلحة. ففرنسا تعتمد على جيش قوامه شباب تتراوح أعمارهم بين 18 و30 عاماً، وهم رجال ونساء التحقوا بالجيش بكامل إرادتهم، وهم على يقين بأن هذه المهنة تنطوي على مخاطر قد تكون قصوى. واعتبر أن الحديث عن هذا الجانب ليس دعوة للقتال، بل تذكير بالطبيعة الجوهرية للالتزام العسكري في كل الجيوش النظامية.

هذه التوضيحات لم تمنع توالي ردود الفعل السياسية، ما دفع الحكومة نفسها إلى تهدئة النقاش، حيث قالت المتحدثة الرسمية مود بريجون إن “أبناء فرنسا لن يذهبوا للقتال في أوكرانيا”، في محاولة لقطع الطريق أمام أي تأويل يرى في تصريحات رئيس الأركان إشارة إلى انتقال محتمل من الدعم السياسي والعسكري غير المباشر لأوكرانيا إلى مشاركة مباشرة في الحرب.

وفي خضم هذا الجدل، تدخل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لإعادة ترتيب الأوراق السياسية وتخفيف حدة الهجوم على المؤسسة العسكرية. ففي مؤتمر صحافي على هامش قمة مجموعة العشرين بجنوب إفريقيا، قال ماكرون إن رئيس الأركان “يحظى بثقته الكاملة”، مؤكداً أن كلامه “حوّر بهدف نشر الخوف”. وشدد الرئيس الفرنسي على أن بلاده تحتاج إلى جيش قوي ونظام دفاعي جاهز، لكن أيضاً إلى قدرة جماعية على النهوض أمام التحديات الكبرى. ماكرون دعا الفرنسيين إلى إدراك حجم المخاطر الجيوسياسية المحيطة بالقارة، محذراً من أن الاستهزاء بالتهديدات أو التقليل من شأنها قد يكون خطأ استراتيجياً فادحاً.

تصريحات ماندون ليست معزولة عن سياق أوروبي أوسع؛ فصناع القرار في ألمانيا والدنمارك ودول البلطيق سبق أن تحدثوا خلال الأشهر الماضية عن احتمال مواجهة القارة لتحديات وجودية خلال السنوات الثلاث أو الأربع المقبلة، في ظل استمرار الحرب الروسية في أوكرانيا، وارتفاع منسوب السجال العسكري بين موسكو والغرب. بل إن رئيس الأركان الفرنسي نفسه سبق أن قال أمام البرلمان في أكتوبر الماضي إن الجيش يجب أن يكون مستعداً لـ“صدمة” محتملة خلال مدة لا تتجاوز أربع سنوات، بعدما أصبحت روسيا، وفق تقديرات أوروبية متقاطعة، في وضع يمكنها من الاستمرار في التصعيد خارج أوكرانيا.

ولا يقف النقاش عند حدود الحرب وحدها، بل يمتد إلى طبيعة المجتمع الفرنسي وقدرته على إنتاج بنية دفاعية مجتمعية. ماندون أثار نقطة حساسة حين قال إن عدداً من الدول الأوروبية أعادت تفعيل الخدمة الوطنية أو العسكرية، معتبراً أنها واحدة من الأفكار التي ينبغي أن تؤخذ بجدية في فرنسا، التي تستعد بالفعل لإطلاق برنامج للخدمة العسكرية التطوعية من شأنه أن يعيد ترميم الرابط بين الجيش والمجتمع ويعزز روح المسؤولية الجماعية تجاه الدفاع الوطني.

ومع تواصل الجدل، تبدو فرنسا أمام لحظة سياسية ودفاعية دقيقة، حيث ترتفع الأصوات المطالبة بتفسير أوسع لطبيعة التهديدات المقبلة، فيما تصر المؤسسة العسكرية على أن دورها ينحصر في تقديم التقييمات والسيناريوهات، لا في الدعوة للحرب. في المقابل، تتعامل الرئاسة الفرنسية مع الوضع بنَفَس مزدوج: طمأنة الرأي العام من جهة، وإبقاء مستوى اليقظة عالياً من جهة أخرى، تجنباً لأي مفاجآت في واقع دولي صار أكثر هشاشة وقابلية للاشتعال.

ما جرى في الأيام الأخيرة يكشف عن توتر غير معلن بين الرغبة في الحفاظ على الهدوء الاجتماعي وبين حاجة الدولة لإعداد جمهورها لمستقبل غير مضمون. ومع أن فرنسا ما تزال بعيدة عن أي قرار يقتضي انخراطاً عسكرياً مباشراً، فإن النقاش الذي فجّره ماندون يسلط الضوء على حقيقة أعمق: أوروبا دخلت مرحلة جديدة لم تعد فيها مسألة الحرب مجرد فرضية نظرية، بل احتمالاً يُناقش على أعلى المستويات الاستراتيجية، وسط قناعة متزايدة بأن السنوات المقبلة ستكون حاسمة في رسم ملامح أمن القارة.

هذا النقاش، الذي امتد من المؤسسة العسكرية إلى الحكومة والمعارضة والرئاسة، يعكس بدقة حالة القلق التي تخيّم على جزء واسع من أوروبا، التي تراقب بانتباه شديد مسار الحرب في أوكرانيا وقدرة روسيا على إعادة ترتيب قوتها العسكرية، في وقت تواجه فيه الدول الأوروبية تحديات داخلية كبرى تتعلق بالاقتصاد والطاقة والهجرة وصعود التيارات الشعبوية. وفي هذا السياق الملبد بالغيوم، تبدو تحذيرات رئيس الأركان الفرنسي جزءاً من عملية واسعة لإعادة تشكيل مفهوم الأمن الأوروبي، حيث يتحول النقاش من “كيفية دعم أوكرانيا” إلى “كيفية حماية أوروبا”.

وإذا كانت اللغة التي استخدمها ماندون قد أحدثت صدمة لدى بعض الفرنسيين، فإنها في المقابل أعادت طرح سؤال جوهري داخل فرنسا وخارجها: ما حدود استعداد المجتمعات الأوروبية لمواجهة عالم تتراجع فيه الضمانات التقليدية، وتتصاعد فيه المخاطر بشكل يُذكّر بزمن الحرب الباردة؟ يبدو أن الإجابات لم تتبلور بعد، لكن المؤكد أن فرنسا تقف اليوم في قلب نقاش استراتيجي سيظل مفتوحاً لسنوات طويلة.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image