ادريس لشكر يحذر من “تشريع على المقاس” ويؤكد ضرورة صون استقلالية المحكمة الدستورية
افتتح الأستاذ إدريس لشكر، الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، أشغال اللقاء الدراسي الذي نظمه الحزب اليوم الثلاثاء حول موضوع: “مستجدات القضاء الدستوري في ضوء القانونين التنظيميين المتعلقين بالمحكمة الدستورية والدفع بعدم الدستورية”، مؤكداً أن النقاش العلمي والمؤسساتي بشأن القضاء الدستوري يشكل امتداداً لمسار نضالي وتراكمي للحزب منذ عقود، بدءاً من مذكراته السابقة لإحداث المجلس الدستوري سنة 1992 وصولاً إلى مساهمته في مشاورات تعديل الدستور سنة 2011.

لشكر: نموذجنا الديمقراطي لا يستقيم إلا بقضاء دستوري مستقل وتجديد دوري منضبط للأعضاء
وشدد لشكر في كلمته على أن الاتحاد الاشتراكي يثمّن المكتسبات التي حققتها المملكة في مجالات الحقوق الأساسية والضمانات الدستورية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية، خصوصاً خلال عهد جلالة الملك محمد السادس، لكنه في المقابل لا يتردد في التنبيه إلى مظاهر التراجع أو التعثر أو سوء التفعيل أو تضارب المصالح، وكل ما يمس الحقوق والحريات وتفعيل نصوص الدستور.
وفي عرضه للملاحظات الأساسية المرتبطة بمشروع القانون التنظيمي رقم 35.24 الخاص بالدفع بعدم دستورية قانون، سجل لشكر التأخر الحاصل في إخراج هذا النص التشريعي، إضافة إلى الإشكالات التي رافقته منذ صياغته الأولية خلال الولاية التشريعية السابقة تحت رقم 86.15، وما ترتب عن ذلك من قرارات صادرة عن المحكمة الدستورية، أبرزها القرار 70.18 والقرار 207.23.

الدفاع عن الدستور يبدأ من عدم التلاعب بالقوانين التنظيمية
وانتقد لشكر إعادة إدراج مشروع القانون برقم جديد (35.24)، معتبراً ذلك “وضعاً قانونياً غير منسجم يجعل المشروع كطفل مسجل مرتين في الحالة المدنية”، على حد تعبيره، مؤكداً أن هذا المسلك يخالف الفصل 86 من الدستور الذي يلزم بعدم تغيير الرقم الأصلي للقانون التنظيمي موضوع المناقشة.
وفي ما يتعلق بنظام التصفية المرتبط بمسطرة الدفع بعدم الدستورية، أبرز الكاتب الأول أن مشروع القانون التنظيمي أعطى لمحكمة النقض سلطة تقدير وجود ارتباط بين الدفع المثار وبين الحق أو الحرية محل الانتهاك، وهو ما اعتبره مخالفًا للدستور، مؤكداً أن الاختصاص المطلق في هذا الجانب يعود حصرياً للمحكمة الدستورية.
وانتقل لشكر بعد ذلك لتناول مشروع القانون التنظيمي رقم 36.24 المتعلق بتتميم القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية، حيث أشار إلى أن بعض التعديلات الإيجابية الصياغية لا تلغي وجود إشكالات جوهرية، خاصة تلك المتعلقة بالمادة 14 التي تسمح بإعادة تعيين عضو أكمل فترة أقل من ثلاث سنوات، وهو ما قد يؤدي عملياً إلى تمديد فترة العضوية إلى أكثر من تسع سنوات، في مخالفة جوهرية للفصل 130 من الدستور، وللقاعدة الدستورية المتعلقة بالتجديد الدوري لثلث الأعضاء كل ثلاث سنوات.
وأشار لشكر، من خلال عرض معمق للنصوص الدستورية والقانونية المؤطرة، إلى أن أي تعديل تشريعي لا يجب أن يؤدي إلى خلق قاعدة جديدة تتجاوز أو تناقض النص الدستوري الأصلي، معتبراً أن صياغة المادة 14 المعدلة “قد تكون على المقاس” وتفتح الباب للاختلال في مبدأ المساواة وفي استقلالية المحكمة الدستورية.

كما توقف الكاتب الأول عند عدد من قرارات المحكمة الدستورية التي أثارت نقاشات قانونية وإجرائية، من بينها القرارات المتعلقة بالطعن الانتخابي، وقانون المسطرة المدنية، والتنظيم القضائي، مؤكداً ضرورة تجويد النصوص المسطرية وتدقيق المفاهيم تجنباً للغموض واللبس أو تداخل الاختصاصات بين الإداري والقضائي.
وختم لشكر كلمته بالتأكيد على أن هدف الحزب من هذا اللقاء هو الإسهام بمنهج علمي وهادئ في ترسيخ جودة التشريع، وتعزيز الأمن القانوني، وتحصين الحقوق والحريات، وتطوير البناء الديمقراطي الوطني، موجهاً الشكر للأساتذة والمشاركين والمنظمين والحضور الكريم.
ونظراً لأهمية هذه المداخلة واعتبارها وثيقة أساسية في النقاش الراهن، فإننا نقدّم لكم نص كلمة الأستاذ إدريس لشكر كما هي، لتكون مرجعاً للأساتذة والباحثين في الموضوع

الكلمة الافتتاحية للأستاذ إدريس لشكر الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بمناسبة اللقاء الدراسي الذي نظمه الحزب
” مستجدات القضاء الدستوري في ضوء القانونين التنظيميين المتعلقين بالمحكمة الدستورية والدفع بعدم الدستورية “
الأخوات والإخوة،
سيرا على نفس النهج الذي دأبنا عليه في الحزب، ننظم اليوم هذا اللقاء من أجل تعميق النقاش بخصوص إحدى اللبنات الرئيسية لبناء دولة الحق والقانون ألا وهي القضاء الدستوري الذي طالما شكل تجويد إطاره المؤسساتي والوظيفي وآليات عمله مطلبا من أبرز المطالب التي عبر عنها الحزب في مذكرات متعددة قبل إحداث المجلس الدستوري بمقتضى دستور 1992. كما شكل موضوع القضاء الدستوري وحماية الحريات والحقوق الأساسية أحد أبرز المجالاتالرئيسية التي تضمنتها مذكرة الحزب والتي قدمت للجنة الاستشارية لمراجعة الدستور التي عينها جلالة الملك محمد السادس.
وانطلاقا مما راكمته بلادنا في مجال الممارسة الديمقراطية، واعتبارا للمكتسبات الدستورية والحقوقية التي تم تحقيقها على مر عقود من الزمن خصوصا في ظل عهد جلالة الملك محمد السادس، فإننا في الاتحاد الاشتراكي لا نتوانى ولا نتردد مطلقا في التنويه بصوت عال جميع المنجزات والمكتسبات في سائر المجالات الحقوقية والدستورية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية… ولكن في نفس الوقت لا نسكت مطلقا عما نسجله من تجاوزات أو تردد في تفعيل أحكام الدستور، أو مساس بالحقوق والحريات، أو تردي للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للمواطنات والمواطنين، أو تضارب في المصالح، أو تنصل من تحمل المسؤوليات المترتبة عن ممارسة السلطة…
واعتبارا لما سبق، اسمحوا لي الإشارة لبعض المقتضيات التي يجب أن نقف عليها في النقاش.
ففما يتعلق بمشروع القانون التنظيمي رقم 35.24 بتحديد شروط وإجراءات الدفع بعدم دستورية قانون، فتجدر الإشارة إلى التأخر الكبير في إصداره وإلى ما رافق مشروعه الأول من إشكالات في المضمون وفي المسطرة وهو ما أشارت إليه المحكمة الدستورية في قراريها رقم 70.18 و207.23.
ونسجل في هذا الخصوص الملاحظات التالية:
وفي الوقت الذي كنا فيه ننتظر تصحيح المسطرة وترتيب الآثار، نتفاجئبتقديم الحكومة لمشروع قانون تنظيمي جديد برقم جديد هو 35.24، وفي نظرنا هذا إجراء مسطري يجعل هذا القانون التنظيمي كالطفل المسجل في دفتر الحالة المدنية بتاريخين مختلفين للميلاد.
كما أن إعطاء رقم جديد لمشروع القانون التنظيمي هذا، مخالف للدستور، حيث أن الفصل 86 من الدستور ينص على أن “تعرض القوانين التنظيمية المنصوص عليها في هذا الدستور وجوبا قصد المصادقة عليها من قبل البرلمان، في أجل لا يتعدى مدة الولاية التشريعية الأولى التي تلي صدور الأمر بتنفيذ هذا الدستور”. وبالنتيجة لهذا الفصل فالقانون التنظيمي يجب أن يحتفظ بالرقم الأول الذي أعطي له في الولاية التشريعية الأولى بعد دخول دستور 2011 حيز التنفيذ.
وفي نظرنا، يطرح هذا الأمر عدة إشكالات خصوصا إذا استحضرنا مضامين قرار المحكمة الدستورية رقم 70.18 والذي جاء فيه “وحيث إن التوفيق بين الحق في إثارة الدفع بمناسبة قضية معروضة على محكمة ما، واختصاص المحكمة الدستورية بالبت شكلا وموضوعا في الدفوع الدستورية المحالة عليها، وبين متطلبات النجاعة القضائية وحسن سير العدالة وسرعة البت في الدفوع وإصدار قرارات بشأنها داخل أجل معقول، يقتضي من المشرع حصر نطاق الشروط التي يتحقق القاضي من استيفائها بمناسبة إثارة الدفع في تلك التي لا تشكل عناصر تقدير أولي للدستورية، وفي إحداث آلية كفيلة بإرساء نظام للتصفية بالمحكمة الدستورية، يحدد قانون تنظيمي تركيبتها وضوابط عملها، وذلك تحقيقا للمرونة المتطلبة الكفيلة بالوصول إلى الغايات التي سبق عرضها”.
واعتبارا لذلك، نؤكد على أن المحكمة الدستورية هي المختصة دستوريا بنظام التصفية، وكل تشريع مخالف لذلك يعد بمثابة تهريب لاختصاصات المحكمة الدستورية التي جعلها المشرع الدستوري المختصة بشكل حصري بالنظر في كل دفع متعلق بعدم دستورية قانون طبقا لأحكام الفصل 133 من الدستور.
ونؤكد على أن نظام التصفية هو جزء من الجوهر وليس مجرد إجراء مسطري فقط. وبطبيعة الحال يتطلب الأمر تعزيز المحكمة الدستورية بالموارد البشرية المؤهلة والمختصة والتي يمكن أن تساعد المحكمة في ممارسة هذا الاختصاص على غرار ما هو معمول به في العديد من التجارب المقارنة، على أن يبقى القرار النهائي بيد أعضاء المحكمة الدستورية دون غيرهم.
أما بخصوص مشروع القانون التنظيمي رقم 36.24 بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 066.13 المتعلق بالمحكمة الدستورية، وإن كنا نسجل بكل موضوعية مجموعة من المستجدات الإيجابية خصوصا منها ما يندرج في خانة تجويد وتدقيق الصياغة، فإننا مع ذلك نثير بعض الملاحظات خصوصا ما يتعلق بالمادة 14 التي جاءت فيها فقرة جديدة تقضي بأنه “لا يمكن للعضو المعين أو المنتخب الذي أكمل الفترة المتبقية من مدة سلفه، إعادة تعيينه أو انتخابه إذا كانت مدة عضويته “خلال هذه الفترة المتبقية تفوق ثلاث سنوات دون إخلال بأحكام الفصل 130 من الدستور “”.
فهذه المادة، وعلى خلاف ما يبدو من منطوق النص، تخفي الكثير من الأشياء، حيث يبدو بأنها صيغت على المقاس، وهذا ما قد يترتب عنه خرق الفقرة الثالثة من أحكام الفصل 130 من الدستور التي تنص على أن “يتم كل ثلاث سنوات تجديد ثلث كل فئة من أعضاء المحكمة الدستورية”، فإذا تم مثلا تطبيق المقتضى الجديد على أحد أعضاء المحكمة الدستورية الحاليين، فإن ذلك سيؤدي بشكل مباشر إلى الإخلال بقاعدة تجديد الثلث، وهو ما سيؤثر سلبا على الغاية التي توخاها المشرع الدستوري من هذه الأحكام، كما سيؤدي ذلك إلى فقدان التوازن في التجديد بين المعينين والمنتخبين، وهو ما سنبينه من خلال ما يلي:
* الفصل 130 من الدستور: ((تتألف المحكمة الدستورية من اثني عشر عضوا، يعينون لمدة تسع سنوات غير قابلة للتجديد، ستة أعضاء يعينهم الملك،؛ وستة أعضاء ينتخب نصفهم من قبل مجلس النواب، وينتخب النصف الآخر من قبل مجلس المستشارين……………………………. .
يتم كل ثلاث تجديد ثلث كل فئة من أعضاء المحكمة الدستورية. …………………………))
* الفصل 131 من الدستور: ((……يحدد القانون التنظيمي أيضا المهام التي يجوز الجمع بينها وبين عضوية المحكمة الدستورية، ……وطريقة إجراء التجديدين الأولين لثلث أعضائها، وكيفيات تعيين من يحل محل أعضائها الدين استحال عليهم القيام بمهامهم أو استقالوا أو توفوا أثناء مدة عضويتهم.))
المادة 1 من القانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية:
(( تتألف المحكمة الدستورية، طبقا للفصل 130 من الدستور، من اثني عشر عضوا يعينون لمدة تسع سنوات غير قابلة للتجديد……………………………………….))
المادة 3 منه:
(( تطبيقا لمقتضيات الفقرة الثالثة من الفصل 130 من الدستور، يتم كل ثلاث سنوات، تجديد ثلث كل فئة من أعضاء المحكمة الدستورية.
عند أول تعيين لأعضاء المحكمة الدستورية، يعين ثلث أعضاء كل فئة لمدة ثلاثسنوات والثلث الأخير تسع سنوات.))
المادة 12 منه:
(( تنتهي العضوية بالمحكمة الدستورية في الحالات التالية:
المادة 14 منه: (الفقرة الأخيرة)
((…...يكمل عضو المحكمة الدستورية المعين أو المنتخب للحلول محل من انتهت عضويته من أعضائها لأي سبب من الأسباب قبل ميعادها العادي، الفترة المتبقية من مدة انتداب العضو الدي يخلفه.))
بالتمعن الحصيف في النصوص المذكورة، نستخلص القواعد التالية:
إدن، نستخلص أن القاعدة الدستورية الكلية في هذا الباب تقرر على أن مدة ولاية الأعضاء هي غير قابلة للتجديد، وصياغة هذه القاعدة جاءت قوية جدا، لأنها تمنع التجديد لأي عضو كيفما كانت مدة ولايته، وهو ما أكدته المادة الأولى من القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية أيضا.
وزيادة في البيان فإن المادة 14 (الفقرة الأخيرة) من لقانون التنظيمي لهذه المحكمة الساري المفعول، تبين بما لا يدع أي شك أن تعيين أو انتخاب عضو لتكميل الفترة المتبقية من مدة ولاية عضو سابق، يمنعانه من إعادة تعيينه أو انتخابه لولاية جديدة كاملة، وهذا يتضح من منظور القاعدة الدستورية التي تنص صراحة على التجديد الدوري لأعضاء المحكمة، علما أن هذه القاعدة تشمل جميعهم بمن فيهم الدين تم تعيينهم او انتخابهم لإكمال ولاية شاغرة، لمدا؟ لأن العضو المعين أو المنتخب إدا أكمل ولاية سلفه فإن إعادة تعيينه أو انتخابه لمدة تسع سنوات ثانية، تعتبر ولايته إداك قد جددت، وهذا أمر محظور دستوريا، لأنه يتجاوز السقف الدستوري المحدد في تسع سنوات.
وعليه، نؤكد مند البداية على أن ما أتى به مشروع القانون التنظيمي من تعديل بخصوص هذه النقطة، يتنافى ودولة المؤسسات، يتنافى والدولة الديمقراطية الحديثة التي تسن القوانين في إطار احترام الحقوق والحريات التي يضمنها الدستور، وليس تشريع القوانين لفائدة أشخاص معينين دون غيرهم، علما أن التشريع في الدول الحديثة يخدم المصلحة العامة: أي حماية المجتمع ككل، ضمان النظام العام، المساواة، التنمية إلخ…من أجل إقرار توازن دقيق بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة عبر مؤسسات قوية وفعالة وخاضعة للرقابة.
من أجل ضمان تنفيذ قاعدة التجديد الدوري المشار إليها أعلاه، وعند تنصيب المحكمة الدستورية لأول مرة، وزع أعضاؤها إلى ثلاث مجموعات وفق الشكل التالي:
|
الأعضاء المعينون من طرف جلالة الملك:
|
الأعضاء المنتخبين من طرف البرلمان:
|
|||
|
1/عضوان: لمدة 9 سنوات 2/عضوان: لمدة 6 سنوات 3/عضوان: لمدة 3 سنوات المجموع: هو 6 أعضاء |
مجلس النواب عضو واحد لمدة 9 سنوات عضو واحد لمدة 6 سنوات عضو واحد لمدة 3 سنوات المجموع: هو 3 أعضاء |
مجلس المستشارين عضو واحد لمدة 9سنوات عضو واحد لمدة 6 سنوات عضو واحد لمدة 3 سنوات المجموع: هو 3 أعضاء |
||
تاريخ إجراء التجديد الأول كان بتاريخ 4/4/2020.
طال أربعة أعضاء، عضوان من فئة المعينين، وعضو من مجلس النواب وعضو من مجلس المستشارين.
تاريخ إجراء التجديد الثاني كان بتاريخ 4/4/2023.
طال أيضا أربعة أعضاء، عضوان من فئة المعينين، وعضو من مجلس النواب وعضو من مجلس المستشارين.
ملاحظة مهمة: خلال عملية التجديد الثاني، تم إعفاء رئيس المحكمة الدستورية الدي كان معينا لمدة تسع سنوات من 2017 لكونه تعدر عليه القيام بمهامه دون أن يتم ولايته، فعين جلالة الملك عضوا جديدا ليكمل ولاية هذا الأخير وفي نفس الوقت عينه رئيسا للمحكمة وكان ذلك بتاريخ 30/11/2023.
بحلول 4/4/2026 إن شاء الله، سيكتمل الثلث الأخير المتبقي من الأعضاء (اثنان معينان بمن فيهم العضو الرئيس الدي عين ليكمل ولاية سلفه واثنان منتخبان) عند تنصيب المحكمة الدستورية لأول مرة، تسع سنوات، وبعد ذلك وبحلول تاريخ 4/4/2029 سيكتمل ثلث الأعضاء الدين عينوا وانتخبوا خلال التجديد الأول مدة تسع سنوات، وهكذا ودواليك ستستقر عملية التجديد الدوري بكيفية أوتوماتيكية امتثالا لروح الدستور الدي هو أسمى قانون في بلادنا.
لكن وجه الغرابة في مشروع القانون التنظيمي، يتجلى في كون الحكومة أحالت هذا المشروع قبيل انتهاء ولاية الثلث الأخير لأعضائها ربما لغاية في نفس يعقوب، بدليل أن ظاهر المشروع يوحي بأن الأمر يهم تغييرات أو تتميمات إلا أن باطنه هو تمرير هذا التغيير بطريقة خفية تحت دريعة إدخال تتميمات بسيطة استقام عمل المحكمة الدستورية بدونها مند تنصيبها، إن لم نقل أنها تبقى إضافات بسيطة جدا لا تسمن ولا تغني من جوع.
نص التغيير كما جاء في المشروع:
((لا يمكن للعضو المعين أو المنتخب الدي أكمل الفترة المتبقية من مدة عضوية سلفه إعادة تعيينه أو انتخابه إدا كانت مدة عضويته خلال هذه الفترة تفوق ثلاث سنوات، دون إخلال بأحكام الفصل 130 من الدستور.))
بالتمحيص الدقيق في هذا التغيير، نقول لأول وهلة على أنه مخالف للدستور للأسباب التالية:
إن التغيير المدكور يتعارض وروح المبدأ الدستوري الدي يريد المشرع الدستوري الأصلي ضمانه وهو تغيير الأعضاء وعدم تثبيتهم في المحكمة لمدة تفوق الحد الدستوري الدي هو تسع سنوات، إد التغيير يسمح بتجديد عضوية بعض الأعضاء فقط، مما سيمكن بعضهم من شغل فترة تكميلية لأقل من ثلاث سنوات زائد فترة جديدة كاملة، والنتيجة بكل بساطة هي تجاوز تسع سنوات، وبالتالي سنكون أمام خرق هذه القاعدة الدستورية، وسنكون أمام واقعة إنشاء قاعدة دستورية في صلب قانون تنظيمي وهذا شامل غير مقبول من الناحية الدستورية.
التغيير يروم السماح بإعادة تعيين أو انتخاب العضو الدي قضى فترة تكميلية تقل عن ثلاث سنوات، ما يمكنه من شغل ولاية كاملة جديدة الشيء الدي يعد تحايلا على قاعدة التجديد الدوري، لما فيه من تراكم المُدد، وهذا في حد داتهإضعاف القاعدة التناوب المنوه عنها أعلاه.
إن التغيير يميز بين أعضاء المحكمة الدستورية سواء المعينين أو المنتخبين، الدين قضوا مدة ثلاث سنوات فما فوق وهؤلاء ممنوعون من إعادة التعيين أو الانتخاب، وآخرون قضوا مدة أقل منها ولو بيوم واحد، +هؤلاء مسموح لهم بذلك علما أن هذا التفاوت يعتبر تميزا غير مبرر بينهم لنيل ثقة جلالة الملك أو في حقهم بالترشح لهذا المنصب، الشيء الدي يخالف مبدأ المساواة والعدالة.
إن السماح بإعادة التعيين أو الانتخاب لمن قضى فترة أقل من ثلاث سنوات قد يخلق ولاءات مرتبطة بالاستمرار في المنصب، مما يضعف استقلالية المحكمة الدستورية عن السلطة السياسية، ويخل بتوازن المحكمة حيث سنكون أمام عضو أو مجموعة من الأعضاء سيقضون فترة تتجاوز السقف الدستوري، ومجموعة أخرى تشغل المنصب في احترام هذا السقف!
الشيء الذي سيقلص فرص التجديد الدوري لأعضاء المحكمة، وسيخلق تمييزا واضحا بينهم، والسؤال الجوهري الذي يطرح بإلحاح والحكومة مطالبة بالجواب عليه، هو: على أي أساس دستوري حدد المشروع مدة الفترة التكميلية للعضو المعين أو المنتخب الذي يكمل ولاية سلفه، في أقلي من ثلاث سنوات حتى يستفيد من إعادة التعيين أو الانتخاب لولاية جديدة كاملة؟
أم الأمر يتعلق بإعداد تشريع على المقاس!
الخلاصة:
من منظور دستوري صرف، يجدر الالتزام الصارم بعدم التجديد لجميع الأعضاء سواء كانوا معينين أو منتخبين الذين قضوا أي فترة تكميلية كيفما كانت مدتها، مما يبقى التغيير الذي طال الفقرة الأخيرة من المادة 14 من المشروع مرفوضا، لماذا؟
لأن أي تغيير أو تتميم القانون التنظيمي يجب أن يحترم القاعدة الدستورية العليا التي تقضي بعدم التجديد حتى لا يتجاوز عضو المحكمة المعين أو المنتخب مدة تسع سنوات، ويجب أن يحترم قاعدة التجديد الدوري الدستورية، ويجب أن لايخرق التوازن الدي حدده الدستور للحفاظ على استقرار المحكمة.
وأخيرا، إذا كان المشرع من حقه سن قواعد من أجل تميم أحكام الدستور أن تغييرها، فإن ذلك يجب ألا يترتب عنه إضافة قاعدة جديدة من شأنها تغيير القاعدة الدستورية نفسها كما هو الحال في هذا المشروع، ولهذه الأسباب مجتمعة، فإن التغيير الدي طال الفقرة الأخيرة من المادة 14 المذكورة، فيه تجاوز لإرادة المشرع الدستوري الأصلي، وأن اعتماده على حالته فيه إضعاف واضح لروح الدستور، ومن ثم فهو تغيير مخالف للدستور.
أما بخصوص المادة 27 من نفس المشروع، فقد تضمنت النص على الإحالة على تفسير المحكمة الدستورية عند عملية نشر القوانين في حالة ما إذا صرحت بذلك عند مراقبة دستورية القوانين والأنظمة الداخلية.
فالسؤال المطروح في هذا الخصوص هو هل ستتم الإحالة على التفسير في متن النص أو في الهامش؟
نعتقد بأن المتن هو اختصاص تشريعي، و لا يمكن أن يكون التفسير جزءا من المتن، وعليه نقترح إما النص عليه بين قوسين في إطار النص، أو الإحالة عليه في هامش النص، وفي جميع الحالات من المهم أن يتضمن اجتهاد المحكمة مستقبلا رأيها في هذا الخصوص تفاديا للتضارب في الممارسة.
ولا يفوتني هنا من ضرورة الإشارة إلى الانكباب على بعض قرارات المحكمة بخصوص الطعون الانتخابية، وكدلك قرارها بخصوص مشروع قانون المسطرة المدنية، والدي اعتبرت فيه أن تدبير النظام المعلوماتي من طرف وزارة العدل فيه مساس باستقلالية باستقلالية السلطة القضائية والحال أن قانون التنظيم القضائي منح حق هدا التدبير لوزارة العدل، والسؤال المطروح عن أي مس باستقلالية القضاء بشكله تدبير لآلية تقنية اعتمدت لتسيير ولوج المواطنين للعدالة وعقلنة الزمن القضائي.؟
وكدا، قرارها بخصوص التنظيم القضائي نفسه، حيث ابتدعت مفهوما غامضا أسمتهُ إجراءات موسومة بالطبعة ** القضائية كالتبليغ وهو مفهوم خلق ارتباكا واضحا في تدبير المحاكم، وحالة من تنازع الاختصاص في ما هو إداري وماهوقضائي.
الأخوات والإخوة،
هذه فقط نماذج وأمثلة عن بعض الإشكاليات التي يطرحها موضوع القضاء الدستوري على ضوء هذه المستجدات. ونأمل أن يشكل هذا اللقاء العلمي محطة لتعميق النقاش والوقوف على الثغرات وتقديم المقترحات، غايتنا في ذلك هي جودة التشريع وتحقيق الأمن القانوني وتطوير الحماية القضائية للحريات والحقوق الأساسية وتعزيز المسار الديمقراطي ببلادنا.








تعليقات
0