المبادرة التي باشرتها المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني تجاه متقاعدي الجهاز تضعنا أمام ممارسة بسيطة في ظاهرها، لكنها محمّلة بدلالات عميقة. ليست زيارة بروتوكولية ولا واجباً شكلياً، هي فعل مباشر يستعيد قيمة الاعتراف بمن خدموا المرفق الأمني لسنوات طويلة، ثم أقعدهم المرض عن المشاركة في لحظات الاحتفاء الرسمية.
اللجان المشتركة التي تنقلت بأمر من عبد اللطيف الحموشي، المدير العام للأمن الوطني، بين مدن كثيرة، من طنجة وتطوان إلى فاس و وجدة ومكناس وصولاً إلى أكادير والعيون و ورزازات وآسفي والجديدة، كانت تحمل معنى واضحاً: إن تعذّر على المتقاعد أن يأتي إلى المؤسسة، فالمؤسسة هي التي تذهب إليه. تدخل بابه لتسأل عن وضعه الصحي، وتستمع لحاجياته، وتدوّن ما يمكن نقله إلى الجهات المختصة. ليس مجاملة، بل امتداد طبيعي لعلاقة مهنية وإنسانية لم يفترض أن تتوقف بتوقف الراتب.
هذا المسار لم يبدأ من فراغ. فقد سبقه حفل التميز الوطني بالرباط، ثم حفلات تكريم محلية وجهوية شملت العاملين والمتقاعدين وأبناءهم المتفوقين. ما يجري الآن هو استكمال له، لكنه أكثر قرباً من الروح الإنسانية للمبادرة، لأنها تصل إلى من غابوا قسراً عن الحضور.
في مهنة تعتمد على الانضباط واليقظة اليومية، يكتسب هذا النوع من الالتفاتات قيمة مضاعفة. فهي تعيد ترتيب العلاقة بين الجهاز وأفراده على قاعدة الاحترام المتبادل، وتذكّر بأن للخبرة والتضحيات وزناً لا يضيع بمجرد مغادرة الوظيفة.
وإذا استمرت هذه الزيارات وانتقلت إلى ممارسة دائمة، فإنها ستمنح صورة أخرى عن أسرة الأمن الوطني؛ صورة جهاز يعرف كيف يوازن بين صرامة المهنة ومتانة الروابط الإنسانية، ويمنح لمتقاعديه الشعور بأنهم ما زالوا جزءاً من البيت الذي خدموه.








تعليقات
0