سجّلت سوق السندات الأولية، خلال الفترة الممتدة من 4 إلى 11 دجنبر الجاري، مؤشراً غير معتاد في مسار تمويل الخزينة، بعدما عرفت جلسة المناقصة الأخيرة غياباً تاماً لأي اكتتاب، رغم عرض بلغ 4,4 ملايير درهم، وفق ما كشف عنه مركز الأبحاث BMCE Capital Global Research (BKGR).
هذا المعطى، الذي يثير تساؤلات مشروعة حول توازنات سوق الدين العمومي، يضع الخزينة في واجهة النقاش، ليس من باب الحديث عن أزمة تمويل، بل من زاوية قراءة رسائل السوق في لحظة مالية دقيقة تتسم بالحذر والترقب.
وحسب المذكرة الأسبوعية Fixed Income Weekly الصادرة عن المركز، همّت الخطوط المقترحة آجالاً قصيرة ومتوسطة وطويلة، شملت 26 أسبوعاً، و52 أسبوعاً، و5 سنوات و15 سنة، بعوائد تراوحت بين 2,25 في المائة و3,43 في المائة. غير أن هذه الشروط لم تكن كافية لاستقطاب طلب المستثمرين، ما أدى إلى خروج جلسة المناقصة دون أي تعبئة فعلية.
غياب الاكتتاب، في هذا السياق، لا يمكن فصله عن تطورات السوق الثانوية، التي سجلت بدورها أداءً سلبياً في معظم الآجال، مع انخفاض مردودية سندات سنتين، و5 سنوات، و 10 سنوات بنحو 7 نقاط أساس، مقابل ارتفاع طفيف في أجل 20 سنة. وهي مؤشرات تعكس حالة من إعادة التموقع لدى الفاعلين، أكثر مما تعكس عزوفاً هيكلياً عن سندات الخزينة.
القراءة النقدية لهذا التطور تقود إلى طرح سؤال جوهري: هل يتعلق الأمر بضربة مالية للخزينة، أم بلحظة تفاوض صامت بين الدولة والسوق؟ فالمستثمرون، وعلى رأسهم الأبناك والمؤسسات المالية، بدوا غير مستعدين للاكتتاب بالعوائد المعروضة، في ظل انتظارهم لإشارات أوضح بخصوص توجه السياسة النقدية، خاصة مع اقتراب موعد اجتماع مجلس بنك المغرب.
وفي هذا الإطار، يرى خبراء BKGR أن الترقب يظل سيد الموقف من الجانبين، في انتظار القرار المرتقب بشأن سعر الفائدة الرئيسي. وفي حال تأكيد الإبقاء عليه دون تغيير، يُرجّح أن يستأنف منحنى العائد مساره نحو التسطيح، مع استمرار دعم الآجال القصيرة والمتوسطة، خصوصاً في ظل حاجة ظرفية للخزينة مع اقتراب نهاية السنة.
بناءً على ذلك، يصعب اعتبار ما وقع ضربة مالية بالمعنى المباشر، بقدر ما هو تعبير عن اختلال مؤقت في التوقيت والتسعير، حيث فضّلت الخزينة عدم الاقتراض بشروط غير مواتية، في مقابل سوق اختارت الانتظار بدل الالتزام.
يكشف هذا “الصمت” في سوق السندات عن توازن حساس بين حاجيات التمويل العمومي وحسابات المستثمرين. وبين عرض بلا اكتتاب، وسوق تحبس أنفاسها، يبقى السؤال مفتوحاً… والإجابة مرهونة بالقرار النقدي القادم.








تعليقات
0