لم يكن اغتيال عمر بنجلون في دجنبر 1975 حدثًا عابرًا في تاريخ المغرب، بل لحظة كاشفة، صادمة، وعميقة الدلالة. لم يكن مجرد فقدان رجل سياسي أو نقابي بارز، بل كان استهدافًا مباشرًا لفكرة، ولمشروع، ولوعي كان يتشكل في قلب المجتمع المغربي وهو يخطو، بآلامه وتناقضاته، نحو أفق ديمقراطي وطني. لقد خُيّل للقتلة، ومن حرّكهم ومن بارك فعلتهم بالصمت أو التواطؤ، أنهم باغتيال الجسد يطفئون الصوت، وبإسكات الرجل ينهون المسار. لكنهم، عن غير قصد، أعلنوا ميلاد شهيد للطبقة العاملة المغربية، ورمز وطني سيظل عصيًّا على الاغتيال.
عمر بنجلون لم يكن رجل مرحلة عابرة، بل ابن سياق تاريخي عميق: سياق النضال من أجل الاستقلال، ثم من أجل الديمقراطية، ثم من أجل وضوح سياسي وأخلاقي في زمن الالتباس. كان امتدادًا طبيعيًا للاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وتجسيدًا واعيًا لتحوله التاريخي إلى الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بما حمله ذلك من انتقال من زمن الغضب إلى زمن البناء الديمقراطي، ومن العفوية إلى الوعي الإيديولوجي، ومن رد الفعل إلى المشروع.
وحين امتدت الأيادي الآثمة إلى عمر بنجلون، لم تكن تعلم أنها، وهي تغتال رجلاً، إنما تكتب فصلًا جديدًا في تاريخ النضال الديمقراطي بالمغرب. فقد تزامن ذلك مع لحظة وطنية دقيقة: مغرب خارج لتوّه من المسيرة الوطنية التي وحّدت الصحراء بمغربها، وساعٍ إلى إنهاء زمن الفرقة والاغتراب داخل الوطن الواحد. كان المطلوب آنذاك هو إغلاق قوس السياسة، وتدجين الأحلام، وإفراغ الوطنية من بعدها الديمقراطي. وكان عمر بنجلون، بفكره ووضوحه وصلابته، عائقًا أمام هذا المسار.
لم يكن خطر عمر في صوته المرتفع فقط، بل في وضوحه. وكان، كما قال هو نفسه، يدرك أن «أخطر أنواع القمع ليس القمع المباشر، بل التضليل». لذلك حورب، وشُوّه، ثم اغتيل. فالتضليل هو الذي يجعل الجريمة تبدو ضرورة، والظلم يبدو استقرارًا، والاستبداد يبدو مصلحة وطنية.
في هذا السياق بالذات، جاء رثاء الشاعر المصري الكبير أحمد عبد المعطي حجازي لعمر بنجلون، بعد أربعين يومًا من استشهاده، لا بوصفه قصيدة حزن فقط، بل بوصفه نصًا سياسيًا بلسان الشعر، قال فيه ما عجزت السياسة عن قوله، وسمّى الأشياء بأسمائها حين صمت كثيرون.
يقول حجازي:
«يستطيع ابن جلون أن ينهض الآن
فالشهداء يموتون، كي يفرغوا للسهر»
بهذا السطر وحده، أعاد الشاعر تعريف معنى الشهادة. فالشهداء لا يموتون لينسحبوا من التاريخ، بل ليتفرغوا لحراسته. هم لا ينامون في قبورهم، بل يسهرون على ضمير الأمة، يوقظونها كلما حاول النسيان أن يغلبها.
ويرى حجازي في عمر بنجلون ابنًا للأرض والتاريخ، لا ابن لحظة سياسية عابرة:
«وابن جلون من جسد الأرض
من كيمياء الربيع
تحدر نهرا
فماذا عن النهر لو صار غيما
وماذا لو النهر صار مطر»
إنه تشبيه بالغ العمق: عمر نهر، وإن اغتيل، فإنه لا يجف، بل يتحول إلى غيم، ثم إلى مطر. أي إلى وعي جماعي، وإلى فكرة تتسرب إلى العقول والضمائر، وإلى طاقة أخلاقية لا يمكن حصارها.
ثم يبلغ الشاعر ذروة سياسية جارحة حين يواجه زيف الخرائط والشعارات، فيقول:
«وأرى عمر الآن
يمزق تلك الخارطة – الوهم
ويبكي من غضب
أعلام أم خرق من عار»
هنا يصبح عمر بنجلون، في المخيال الشعري، قاضيًا أخلاقيًا للتاريخ العربي، يمزق خرائط الوهم، ويفضح الشعارات الفارغة، ويعيد الاعتبار للدم الحقيقي في مواجهة الأوطان المرسومة بالحبر والكذب. وهو المعنى نفسه الذي عاشه عمر في حياته، حين رفض أن تكون الوطنية غطاءً للاستبداد، أو أن تكون الدولة بديلاً عن الديمقراطية.
لقد كان عمر بنجلون مشروعًا إنسانيًا كاملًا: محاميًا يدافع عن العمال، نقابيًا منحازًا للكادحين، وسياسيًا يرى أن النضال الديمقراطي ليس ترفًا، بل شرطًا لبناء وطن يستحق أبناءه. لذلك لم يكن اغتياله اغتيال فرد، بل محاولة لاغتيال حلم مغربي بعدالة اجتماعية حقيقية، وبسياسة نظيفة، وبوطن لا يخاف من أبنائه.
لكن، كما علّمنا التاريخ، وكما أكده الشعر، الفكرة أقوى من الرصاص. اغتيال عمر لم ينهِ حضوره، بل ضاعفه. كل من يرفض الخوف اليوم، كل من يواجه التضليل، كل من يصر على ربط الوطنية بالديمقراطية، هو امتداد لعمر بنجلون. وكل ديمقراطي، وكل تقدمي، وكل صاحب ضمير حي، يستطيع أن يقول دون مبالغة: كلنا عمر.
ولعل في دلالة الزمن ما يستحق التأمل: أن يدشن حزب الاتحاد الاشتراكي مرحلة جديدة من إعادة بناء ذاته التنظيمية، يومًا واحدًا بعد ذكرى استشهاد عمر بنجلون. قد تكون صدفة، وقد يكون اختيارًا واعيًا، لكن المعنى واحد: استمرار عمر في الاتحاد، واستمرار الاتحاد في عمر، بوصفه قيمة أخلاقية قبل أن يكون اسمًا في الذاكرة.
إن استحضار عمر بنجلون اليوم ليس وفاءً لذكرى شهيد فقط، بل هو ضرورة سياسية وأخلاقية. لأن معركته لم تنتهِ، ولأن تحذيره من التضليل ما زال راهنًا، وربما أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. ولأن الوطن الذي حلم به لن يُبنى إلا إذا امتلكنا شجاعة الوضوح، ونظافة الموقف، واستعداد التضحية.
رحم الله عمر بنجلون، الشهيد الذي حين عجزت السياسة عن قول الحقيقة، قالها الشعر، وبقيت مستمرة وستبقى .
50 سنة مرت على اغتياله… عمر بنجلون شهيد المعنى








تعليقات
0