أفادت المندوبية السامية للتخطيط أن الرقم الاستدلالي للإنتاج الصناعي والطاقي والمعدني سجل خلال الفصل الثالث من سنة 2025 منحى تصاعدياً مقارنة مع الفترة نفسها من سنة 2024، غير أن هذا التحسن، رغم دلالته الإيجابية على مستوى الحجم، يكشف عن اختلالات بنيوية داخل النسيج الصناعي، حيث يظل النمو غير متوازن بين فروع تقود الارتفاع وأخرى استراتيجية تسجل تراجعاً لافتاً.
وحسب المذكرة الإخبارية للمندوبية، ارتفع الرقم الاستدلالي للصناعات التحويلية باستثناء تكرير النفط بنسبة 2,2 في المائة، مدعوماً أساساً بتحسن إنتاج الصناعات الغذائية (+11,3 في المائة)، وصنع منتجات أخرى غير معدنية (+12,2 في المائة)، والصناعة الكيماوية (+4,3 في المائة)، وصناعة السيارات (+7,4 في المائة)، إضافة إلى الارتفاع القوي المسجل في صنع منتجات المطاط والبلاستيك (+16,2 في المائة) وصنع وسائل النقل الأخرى (+19,9 في المائة).
ويعكس هذا الأداء استمرار دينامية بعض الفروع المرتبطة بالاستهلاك الداخلي أو الموجهة للتصدير، غير أنه لا يعكس بالضرورة تحسناً نوعياً شاملاً في بنية الصناعة الوطنية، خاصة في ظل التفاوت المسجل بين الصناعات ذات المحتوى التقني المحدود وتلك التي ترتبط بسلاسل قيمة أعلى.
في المقابل، سجلت عدة فروع صناعية تراجعات حادة، أبرزها الصناعة الصيدلانية التي انخفض إنتاجها بنسبة 17,3 في المائة، وصناعة منتجات التبغ التي تراجعت بـ 28,4 في المائة، إلى جانب انخفاض إنتاج المعادن باستثناء الآلات والمعدات بـ6,6 في المائة، والتعدين بـ8 في المائة. وهي معطيات تثير تساؤلات حول متانة القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، ومدى قدرتها على الصمود في سياق اقتصادي يتسم بتقلبات داخلية وخارجية.
كما أظهرت المعطيات استمرار ضعف بعض الصناعات المرتبطة بالتصنيع المتوسط والتكنولوجي، من قبيل صنع التجهيزات المعلوماتية والإلكترونية والبصرية، وصنع الآلات وتجهيزات غير المصنفة في موضع آخر، وهو ما يعكس محدودية التحول الصناعي نحو أنشطة أكثر كثافة في المعرفة والتكنولوجيا.
وفي ما يخص الصناعات الاستخراجية، سجل الرقم الاستدلالي ارتفاعاً بنسبة 7,4 في المائة، مدفوعاً بتحسن “الصناعات الاستخراجية الأخرى” (+7,5 في المائة) و”استخراج خامات المعادن” (+3,2 في المائة). ورغم هذا التحسن، يبقى هذا القطاع شديد الارتباط بالظرفية الدولية وتقلبات الأسعار، ما يحد من قدرته على لعب دور مستقر في دعم النمو الصناعي طويل الأمد.
أما إنتاج الطاقة الكهربائية، فقد سجل ارتفاعاً بنسبة 6,4 في المائة، ما يعكس تزايد الطلب الطاقي المرتبط بالنشاط الاقتصادي، لكنه يسلط الضوء في المقابل على تحديات كلفة الإنتاج، ونجاعة الانتقال الطاقي، وأثرها على تنافسية المقاولات الصناعية.
في المحصلة، تكشف معطيات الفصل الثالث من سنة 2025 عن نمو صناعي كمي أكثر منه نوعي، تقوده فروع محددة، مقابل ضعف أو تراجع في قطاعات يفترض أن تشكل رافعة للتحول الصناعي ورفع القيمة المضافة. وهو ما يعيد إلى الواجهة النقاش حول جودة النمو الصناعي، وحول الحاجة إلى سياسات أكثر استهدافاً لتعزيز الصناعات ذات المحتوى التكنولوجي، وتقوية الأمن الصناعي والدوائي، وتحقيق توازن أكبر داخل المنظومة الإنتاجية الوطنية.








تعليقات
0