تعود أرقام العجز التجاري لتتصدر واجهة النقاش العمومي، حاملة معها أسئلة ثقيلة حول اختيارات الحكومة الاقتصادية ونجاعة سياساتها في ضبط التوازنات الكبرى. فقد أفاد مكتب الصرف بأن العجز التجاري بلغ أزيد من 328,8 مليار درهم عند متم نونبر 2025، مسجلاً ارتفاعاً مقلقاً بنسبة 20,4 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية.
هذه القفزة لا يمكن اعتبارها مجرد رقم ظرفي، بل تعكس اختلالاً بنيوياً في نموذج المبادلات الخارجية. فالواردات ارتفعت بنسبة 9,2 في المائة لتتجاوز 725,34 مليار درهم، في حين لم تتجاوز زيادة الصادرات 1,8 في المائة، مستقرة في حدود 423,54 مليار درهم. والنتيجة الطبيعية كانت تراجع معدل التغطية بـ4,1 نقاط ليستقر عند 56,3 في المائة، وهو مؤشر واضح على اتساع الفجوة بين ما نستورده وما نصدره.
الأخطر في هذه المعطيات أن المنحى التصاعدي للواردات شمل فئات واسعة، في مقدمتها المواد الخام التي ارتفعت بنسبة 34,9 في المائة، والمنتجات الجاهزة للتجهيز بـ15 في المائة، والمنتجات الجاهزة للاستهلاك بـ12,9 في المائة، إضافة إلى أنصاف المنتجات والمواد الغذائية. هذه الأرقام تطرح سؤالاً جوهرياً حول مدى قدرة السياسات الحكومية على تحفيز الإنتاج الوطني وتقليص التبعية للأسواق الخارجية، خصوصاً في المواد الأساسية.
في المقابل، ظلت الصادرات رهينة بعدد محدود من القطاعات، على رأسها الفوسفاط ومشتقاته وصناعة الطيران. ورغم أهمية هذين القطاعين، فإن الاعتماد عليهما وحدهما لا يمكن أن يشكل قاعدة صلبة لاقتصاد متوازن، خاصة في ظل تقلبات الأسواق الدولية وضعف تنويع القاعدة التصديرية.
صحيح أن فائض ميزان الخدمات سجل بدوره ارتفاعاً بنسبة 15,1 في المائة ليبلغ أزيد من 147 مليار درهم، مدفوعاً بنمو الصادرات في هذا المجال. غير أن هذا التحسن، على أهميته، لا يكفي لتعويض النزيف المتواصل في الميزان التجاري للسلع، ولا يمكن تقديمه كإنجاز يعفي الحكومة من مسؤولية معالجة أصل المشكل.
من موقعها في المعارضة الاتحادية، ترى أن هذه الأرقام ليست قدراً محتوماً، بل نتيجة مباشرة لاختيارات اقتصادية تفتقر إلى رؤية صناعية وتجارية متكاملة. المطلوب اليوم هو سياسة واضحة لدعم الإنتاج الوطني، وتشجيع الإحلال محل الواردات، وتنويع الصادرات، وربط الامتيازات والتحفيزات بنتائج فعلية على مستوى خلق القيمة المضافة والتشغيل.
العجز التجاري، بهذا الحجم وبهذا الإيقاع، ليس مجرد مؤشر تقني في تقارير رسمية، بل عبء ثقيل على الاقتصاد الوطني وعلى القدرة الشرائية للمواطنين، وإنذارا صريحا بأن الاستمرار في النهج الحالي سيعمق الاختلالات بدل معالجتها.








تعليقات
0