مع نهاية سنة 2025، يصعب التعامل مع ما عاشه حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية باعتباره مجرد دورة تنظيمية عادية. فالمسار الذي انطلق منذ المؤتمرات الإقليمية والجهوية، وبلغ ذروته في المؤتمر الوطني، حمل دلالات أعمق من تجديد الهياكل أو إعادة توزيع المسؤوليات. لقد كانت سنة إعادة تعريف العلاقة بين التنظيم والسياسة، وبين الحزب ومجتمعه، في لحظة وطنية تتسم بتراجع الثقة في الفعل الحزبي وارتفاع منسوب العزوف.
من خلال تتبع أنشطة الحزب وكلمات كاتبه الأول إدريس لشكر، يتضح أن القيادة الاتحادية تعاملت مع 2025 باعتبارها سنة تأسيس ثانية، لا من حيث المرجعية أو التاريخ، بل من حيث إعادة ترتيب البيت الداخلي وفق منطق جديد–قديم: التنظيم أولًا.
التنظيم باعتباره شرط السياسة
الرسالة المركزية التي طبعت مختلف تدخلات إدريس لشكر هي أن السياسة بلا تنظيم تتحول إلى خطاب معلق في الهواء. لهذا لم تُقدَّم المؤتمرات الإقليمية كاستحقاقات شكلية، بل كآلية لإعادة ضخ الشرعية من القاعدة، وإعادة وصل ما انقطع بين الحزب ومناطقه. حضور الكاتب الأول في عدد كبير من هذه المحطات لم يكن بروتوكوليًا، بل جزءًا من فلسفة تقول إن المركز لا يكتسب معناه إلا بقدر حضوره في الهامش.
في هذا السياق، جرى التأكيد المتكرر على أن الاتحاد الاشتراكي لا يمكن أن يكون حزب الرباط أو المقر المركزي فقط، بل حزب الجهات والأقاليم، حزب القضايا المحلية اليومية، وحزب الإنصات قبل الخطابة. هذا الوعي بأزمة الوساطة السياسية هو ما يفسر الإلحاح على التنظيم كمدخل لاستعادة المصداقية.
المؤسسة في مواجهة الأشخاص
من بين أكثر الرسائل وضوحًا خلال سنة 2025، الإصرار على منطق المؤسسة. في أكثر من كلمة، شدد إدريس لشكر على أن الحزب ليس ملكًا لأفراد أو شبكات نفوذ، بل إطار جماعي تحكمه المساطر والقرارات الديمقراطية. هذا الخطاب لم يكن موجهًا فقط للمنتقدين من خارج الحزب، بل أيضًا لداخل التنظيم، في محاولة لقطع الطريق أمام إعادة إنتاج منطق الصراعات الشخصية التي أنهكت التجربة الحزبية لعقود.
الرهان هنا كان واضحًا: إعادة الاعتبار للفعل التنظيمي كضابط للاختلاف، بدل تركه ينفلت في شكل نزاعات تضعف الحزب وتفقده بوصلته السياسية.
المعارضة كاختيار وليس كتعويض
سياسيًا، قدّم إدريس لشكر موقع الاتحاد الاشتراكي في المعارضة باعتباره خيارًا واعيًا، لا نتيجة إقصاء أو فشل انتخابي. المعارضة، وفق هذا التصور، ليست وضع انتظار ولا خطاب احتجاجي فارغ، بل ممارسة سياسية لها شروطها: وضوح الرؤية، قوة التنظيم، والقدرة على تقديم بدائل واقعية.
من هنا جاء الربط بين إعادة البناء التنظيمي وتعزيز أداء الفريق البرلماني، باعتبار أن المعارضة القوية لا تُصنع داخل قبة البرلمان فقط، بل في الأقاليم، وسط المجتمع، وفي القدرة على تحويل المطالب الاجتماعية إلى مواقف سياسية مؤطرة.
الدولة الاجتماعية كأفق سياسي
في خلفية الخطاب التنظيمي، ظل البعد الاجتماعي حاضرًا بقوة. الدفاع عن الدولة الاجتماعية، العدالة المجالية، الحماية الاجتماعية، والقدرة الشرائية، لم تكن شعارات ظرفية، بل عناصر ثابتة في خطاب القيادة الاتحادية. غير أن الجديد في 2025 هو ربط هذه القضايا بضرورة تجديد أدوات العمل الحزبي، باعتبار أن الدفاع عن الفئات الهشة لا يمكن أن يتم بحزب هش تنظيميًا.
تجديد النخب: رهان المستقبل
أحد أكثر رهانات سنة 2025 حساسية كان ملف تجديد النخب. حديث إدريس لشكر عن الشباب والنساء لم يأتِ في سياق تزييني، بل باعتباره شرطًا لاستمرارية الحزب. الرسالة هنا أن الرهان الانتخابي المقبل لا يمكن خوضه بنفس الوجوه ونفس الأساليب، وأن التنظيم القوي هو الذي يفتح المجال أمام الكفاءة والالتزام، لا أمام الأقدمية وحدها.
المؤتمر الوطني: بداية لا خاتمة
قُدِّم المؤتمر الوطني الأخير باعتباره محطة انطلاق لمرحلة جديدة، لا لحظة إغلاق لمسار. وهذا التوصيف يحمل في طياته اعترافًا ضمنيًا بأن نجاح إعادة البناء التنظيمي لن يُقاس بالخطب أو الوثائق، بل بمدى القدرة على تنزيل القرارات، وتحويل التنظيم إلى قوة حية في المجتمع.
تكشف سنة 2025 أن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية دخل مرحلة مراجعة عميقة لذاته، اختار فيها مواجهة أعطابه التنظيمية بدل الهروب إلى الخطاب. قيادة إدريس لشكر راهنت على إعادة ترتيب الأولويات: تنظيم قوي، مؤسسة فاعلة، معارضة واضحة، وانفتاح محسوب على المجتمع.
هي سنة وضع الأسس أكثر من جني النتائج. أما ما إذا كانت هذه الأسس قادرة على الصمود أمام اختبار الزمن والانتخابات، فذلك رهان المرحلة المقبلة. لكن المؤكد أن 2025 ستظل، في الذاكرة الاتحادية، سنة قرر فيها الحزب أن يبدأ من نفسه قبل أن يخاطب الآخرين.
القضية الوطنية: ثبات الموقف وربط السيادة بالتنمية
لم تغب القضية الوطنية عن خطاب الاتحاد الاشتراكي خلال سنة 2025، بل شكّلت أحد ثوابت المرافعة السياسية للكاتب الأول إدريس لشكر في مختلف المحطات التنظيمية. التأكيد كان واضحًا على أن الوحدة الترابية للمملكة ليست ملفًا ظرفيًا أو موضوع إجماع شكلي، بل ركيزة سيادية تستدعي تعبئة سياسية وتنموية متواصلة.
في كلماته، جرى الربط بين الدفاع عن مغربية الصحراء وبين الإنصاف المجالي والتنمية المندمجة، باعتبارهما الوجه العملي للسيادة. حضور القيادة الحزبية في الأقاليم الجنوبية، والتشديد على انخراط الحزب في القضايا المحلية، عكس قناعة مفادها أن الشرعية الوطنية تُعزَّز بالفعل التنموي وبالمشاركة السياسية للمواطنين، لا بالشعارات وحدها.
كما أكد لشكر أن موقع الاتحاد الاشتراكي، تاريخيًا، هو الدفاع عن القضايا الوطنية داخل المنتظم الدولي بمنطق سياسي عقلاني، يزاوج بين المشروعية التاريخية، والشرعية القانونية، والدينامية التنموية التي تعرفها الأقاليم الجنوبية. هذا التوجه وضع القضية الوطنية في قلب الرؤية التنظيمية، لا على هامشها.
القضية الفلسطينية: التزام مبدئي خارج منطق المزايدات
إلى جانب القضايا الداخلية، حافظ الاتحاد الاشتراكي، خلال سنة 2025، على موقف ثابت من القضية الفلسطينية، باعتبارها قضية تحرر وعدالة، لا ورقة للمزايدة السياسية أو الاستثمار الظرفي. في كلمات الكاتب الأول، حضرت فلسطين بوصفها قضية إنسانية وسياسية عادلة، تستوجب دعمًا واضحًا لحقوق الشعب الفلسطيني، ورفضًا لكل أشكال العنف واستهداف المدنيين.
الخطاب الاتحادي في هذا السياق اتسم بالاتزان، جامعًا بين الدفاع عن الحق الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة، والدعوة إلى احترام الشرعية الدولية والقانون الإنساني. هذا التوازن عكس تقليدًا تاريخيًا داخل الحزب، يقوم على نصرة القضايا العادلة دون السقوط في الشعبوية أو الخطاب الانفعالي.








تعليقات
0