شفيق الزكاري
بدعم من وزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الثقافة، وبشراكة مع جماعة الدار البيضاء، وبتنسيق مع شركة التنمية المحلية الدار البيضاء للتنشيط والتظاهرات (كازا إفنت) والمدرسة العليا للفنون الجميلة بالدار البيضاء، تنظم جمعية أتولييه آثار أرت، النسخة الثانية لملتقى النحت والخزف، وذلك من 12 إلى 15 فبراير 2026 بالدار البيضاء، وبهذه المناسبة تم إصدار كتاب لعدد من المداخلات تتعلق بالحديث عن تاريخ النحت والخزف من طرف فنانين ونقاد من المغرب وخارجه، كما تم طباعة كتاب يشمل عددا من الشهادات للمكرمين في هذه الدورة، وهما الفنان عبد الحق السجلماسي و الفنان عبد الكريم الوزاني.
وبهذه المناسبة الفريدة من نوعها، قمت بشهادة هي عبارة عن قراءة في تجربة قيدوم النحاتين عبد الحق السجلماسي، هذا مفادها:
لم يكن إثارة اسم وازن في المشهد الفني المغربي للفنان النحات عبد الحق السجيلماسي محض صدفة، بل إرادة حقيقية من طرف منظمي هذا الحفل في محاولة التعريف بأحد رواد النحت بالمغرب، الذي نسيه النقاد ووسائل الإعلام، رغم حضوره يوميا بيننا، من خلال نافورته المشهورة بزنقة الأمير مولاي عبد الله المعروفة ب “البرانس”، التي يمر بجانبها يوميا ساكنة مدينة الدار البيضاء، والتي أطلقوا عليها اسم “الكبدة أو الرية” بصيغة شعبوية، بعدما أن كان عنوانها الأصلي هو “مصدر الحياة”، وكان تشييدها بتزكية من الراحل المرحوم الملك الحسن الثاني، الذي استحسنها وشجع صاحبها على إنجازها سنة 1982.
كما أن اكتشاف هذه الموهبة خلال الثمانينات (كما ذكرنا سالفا) كانت بفضل الراحل الملك الحسن الثاني، عنما استدعى الفنان عبد الحق السجلماسي إلى قصره، وطلب من حاشيته بأن تحيي الفنان بعدما أن كانوا يجهلون وظيفته التي تجمع بين الهندسة الزراعية والنحت.
وبما أن هذه الأيقونة قد تركت بصمة واضحة في تاريخ النحت بالمغرب، كانت لها أيضا حضورا متميزا في علاقتها بالمحيط والمعمار، ومساهمتها النوعية في تشكل مفهوم المدينة، بما أن هذه العملية كانت ولا زالت تعتبر من الخصائص الإبداعية والجمالية للمعمار، انطلاقاً من مجالات تدخل الفنانين التشكيليين والمهندسين المعماريين في تشكيل المدن.

فبفضل منحوتة “مصدر الحياة”، أصبحت زنقة الأمير مولاي عبد الله أو “البرانس”، ممرا أساسيا شكل محورا دلاليا لتفرعات الشوارع والأزقة والممرات بمدينة الدار البيضاء، ونموذجا جماليا لتأثيث الفضاءات، لما لهذه الأيقونة من تعبير على مكامن الضوء والعتمة في تشخيص الفرادة الدلالية في مجال النحت.
قبل أن تكون على شكلها الحالي، قام الفنان عبد الحق السجلماسي بإنجازها على شكل أيقوني صغير، حتى يتمكن فيما بعد من تكبير قياساتها وإخضاعها للشكل الأخير الذي عرفت به، فتم اختيار وضعها واختيار فضائها مع تشغيل وظيفتها، فأصبح الماء هو العنصر الثاني الذي أفرز عنصر الحركة، ووفر للمتلقي دهشة المشاهدة.
عبد الحق السجيلماسي، فنان عصامي بحس فني متطور، اكتسبه حسب تصريحه عن طريق المشاهدة وعشقه للمادة، مما جعل جل أعماله أيقونات مختلفة في الشكل والحجم، حيث اشتغل على جسد المرأة بأجسام ممتلئة وأخرى تنحو منحى صور ظلية، ركز في إنجازها على مواد فضية لامعة، بقياسات صغيرة لا تعدو أن تكون نموذجا لرصد إنجاز منحوتات من الحجم الكبير، مما يدل على اهتمامه بالمادة قبل الشكل، ومن هنا يمكن أن نقف على تجربة مماثلة سواء بالنسبة للمادة أو الموضوع، مع اختلاف نوعي على مستوى البيئة التي نأت فيها تجربة الفنان المغربي عبد الحق السجيلماسي، ويتعلق الأمر ببعض أعمال الفنان الإنجليزي (هانري مور)، حيث كانت مواضيعه المفضلة تصب في اهتمامه بالأم والطفل وكل ما يتعلق بما هو اجتماعي، وتتقاطع بصفة عامة في الاشتغال على جسم الإنسان في حالته المتنوعة وخاصة في استرخائه، التي نحتها باختلاف المواد من خشب وحجر ثم بالبرونز والرخام.
فهذا التشابه في تجربة عبد الحق السجيلماسي، جعلت من أيقونته الموسومة ب “مصدر الحياة”، وباقي منحوتاته نموذجا للتعبير عن حالات إنسانية تم القبض على لحظات من توجساتها ومعاناتها، قد يعتبرها البعض تزيينية فقط، وهي في الأصل كانت تأريخا لنمط معين في النحت، وانعكاسا لواقع تداخل، فيه ما هو تجريدي وآخر تشخيصي.








تعليقات
0