سعيد الخطابي

لا يمكن قراءة الواقع التنموي بإقليم الحسيمة دون استحضار العلاقة التاريخية بين الساكنة والمجال البحري المتوسطي. فالساحل الحسيمي باعتباره فضاء سياحي وامتداد جغرافي، شكل عبر عقود أيضا موردا اقتصاديا أساسيا ساهم في استقرار آلاف الأسر المرتبطة بالصيد التقليدي والساحلي.
غير أن التحولات المناخية المتسارعة والضغط المتزايد على الموارد البحرية وتراجع بعض المؤشرات الإنتاجية جعلت القطاع يعيش مرحلة دقيقة تتداخل فيها الإكراهات البيئية مع التحديات الاقتصادية والاجتماعية والتنظيمية. وفي ظل محدودية الاستثمارات الصناعية البحرية يبقى مستقبل الصيد البحري بالحسيمة مرتبطا بمدى قدرة السياسات العمومية على الانتقال من التدبير الظرفي إلى التخطيط الاستراتيجي طويل المدى.

المؤشرات الإحصائية: قراءة في واقع الإنتاج البحري

تشير المعطيات الرسمية إلى أن مفرغات ميناء الحسيمة بلغت خلال سنة 2025 حوالي 2151 طنا بقيمة مالية تقارب 111 مليون درهم مسجلة انخفاضا نسبته 5% في الكمية و9% في القيمة مقارنة بالسنوات السابقة.
ويهيمن الصيد الساحلي على النشاط البحري بالإقليم حيث يشكل السردين والأنشوبة وبعض الأنواع السطحية الجزء الأكبر من المصطادات. غير أن المشكلة لا تكمن فقط في حجم الإنتاج بل في ضعف سلسلة القيمة المضافة داخل الإقليم إذ يغادر جزء مهم من المنتوج في حالته الخام نحو أسواق خارجية.
كما لا يزال عدد مراكب الصيد محدودا نسبيا مقارنة بالإمكانات الساحلية المتاحة ما يجعل الطاقة الإنتاجية الفعلية دون مستوى المؤهلات الطبيعية التي يوفرها الساحل المتوسطي الحسيمي.

البيئة البحرية تحت ضغط التحولات المناخية

تعاني المنظومة البحرية بالحسيمة من تأثيرات واضحة للتغيرات المناخية حيث أدى ارتفاع درجة حرارة مياه البحر الأبيض المتوسط إلى تغير أنماط توزيع بعض الأصناف السمكية خصوصا الأسماك السطحية الصغيرة التي تشكل قاعدة الصيد التقليدي.
ويحذر المختصون من أن استمرار الضغط على المخزون السمكي دون اعتماد مقاربة وقائية قد يؤدي إلى اختلال التوازن البيولوجي للمنظومة البحرية وهو ما قد ينعكس سلبا على استدامة القطاع نفسه لذلك تبرز الحاجة إلى تعزيز البحث العلمي البحري وتطوير أنظمة الرصد البيئي وربط النشاط الصيدي بالمعطيات العلمية الدقيقة بدل الاعتماد على التقديرات الظرفية.

الصيد الجائر للأسماك الصغيرة: تهديد مباشر للثروة البحرية

يشكل الصيد الجائر للأسماك الصغيرة أحد أكبر المخاطر التي تواجه المخزون السمكي بسواحل الحسيمة فاستهداف الأنواع غير الناضجة بيولوجيا يؤدي إلى إضعاف القدرة الطبيعية على تجديد الثروة البحرية ما يهدد استدامة المنظومة الإيكولوجية على المدى المتوسط والبعيد.
ويرى الفاعلون البيئيون أن حماية الأسماك الصغيرة تتطلب تشديد المراقبة الميدانية واحترام مواسم الراحة البيولوجية وتطبيق القوانين المنظمة للصيد بشكل صارم إلى جانب توعية المهنيين بخطورة هذا السلوك على مستقبل النشاط البحري نفسه لأن استمرار استنزاف المخزون الصغير سيقود حتما إلى تراجع الإنتاج الكلي في السنوات المقبلة.

هجرة المراكب البحرية: خسارة اقتصادية صامتة

أصبحت ظاهرة انتقال بعض وحدات الصيد إلى موانئ أخرى داخل المملكة بحثا عن شروط تشغيل أفضل موضوعا للنقاش بين المهنيين فهجرة المراكب لا تعني فقط فقدان وسائل الإنتاج بل تعني أيضا تفكيك شبكة اقتصادية محلية تشمل التفريغ والتموين والصيانة والنقل.
هذا التحول يهدد جاذبية ميناء الحسيمة اقتصاديا إذا لم يتم تحسين الخدمات اللوجستيكية وتطوير البنيات التحتية المينائية كما أن استمرار هذا الاتجاه قد يؤدي إلى ضعف النشاط التجاري المرتبط بالقطاع ما ينعكس على فرص الشغل المحلية وعلى دينامية الاقتصاد الساحلي بالإقليم.

محدودية التدخلات القطاعية وسياسات الدعم

رغم أهمية الصيد البحري في الحسيمة يرى عدد من المهنيين أن البرامج القطاعية ما تزال تعتمد مقاربات عامة لا تأخذ خصوصية الساحل المتوسطي في الاعتبار.
ويطالب الصيادون بتبسيط إجراءات الاستفادة من الدعم العمومي وتوسيع برامج التكوين المهني البحري وتعزيز التأطير التقني مع خلق آليات تمويل ملائمة لواقع الصيادين التقليديين الذين غالبا ما يجدون صعوبة في الولوج إلى القروض البنكية بسبب شروط الضمانات.

رمضان وسوق السمك: ضغط الاستهلاك وتذبذب الأسعار

يشهد سوق السمك في الحسيمة خلال شهر رمضان ارتفاعا واضحا في الأسعار نتيجة زيادة الطلب مقابل تقلص العرض المرتبط بالراحة البيولوجية أو التغيرات الموسمية في المصطادات.
وتتحول هذه الظاهرة إلى معضلة اجتماعية حقيقية حيث يصبح السمك الذي يشكل جزءا من الثقافة الغذائية المتوسطية مادة قد تخرج مؤقتا من القدرة الشرائية لشرائح واسعة من المواطنين ويؤدي هذا الوضع إلى توترات سوقية موسمية تعكس هشاشة التوازن بين الإنتاج المحلي والطلب الاستهلاكي حيث يصل ثمن السردين والانشوبة الى 30 درهما للكيلوغرام، أما الاسماك البيضاء فيتراوح ثمنها بين 50 و 80 درهما ,لذلك يتم اللجوء الى جلب كميات مهمة من الأسماك من مصايد أخرى .واد لاو.رأس الماء والعرائش.بالاظافة الى الاسماك المجمدة القادمة من موانئ الجنوب خاصة الصويرة وأكادير

التهديدات البيئية للمنظومة البحرية

تواجه السواحل الحسيمية تحديات مرتبطة بالتلوث البحري والضغط على الموارد واستعمال بعض وسائل الصيد غير المستدامة ويؤكد الفاعلون البيئيون أن حماية التنوع البيولوجي لم تعد قضية بيئية فقط بل أصبحت شرطا أساسيا لضمان استمرارية النشاط الاقتصادي البحري نفسه.
فإذا تدهور المخزون السمكي فإن القطاع سيتحول تدريجيا من مصدر رزق مستدام إلى نشاط هش يخضع لتقلبات موسمية قد تهدد استقرار آلاف الأسر الساحلية.

الصيد التقليدي والبعد الاجتماعي للقطاع

يمثل الصيد التقليدي على طول خليج الحسيمة ومناطق مثل السواني؛ إنوارن؛ كلايريس -طوريس جزءا من الهوية الاقتصادية والاجتماعية للساكنة الساحلية لكنه يواجه تحديات متعددة تشمل ضعف التجهيزات وارتفاع كلفة التشغيل ومحدودية التأمين الاجتماعي والمنافسة غير المتكافئة في بعض الحالات.
هذا الواقع يجعل البحارة التقليديين في وضع هش أمام تقلبات السوق والظروف المناخية ما يستدعي إدماجهم بشكل كامل في منظومة الحماية الاجتماعية والبرامج المهنية التأهيلية.

دور المجتمع المدني: بعد بيئي وتنموي

يشدد رئيس جمعية أزير للبيئة والتنمية البحرية محمد الأندلسي على أن مستقبل المجال البحري بالإقليم مرتبط بدمج الفاعل المدني في السياسات البيئية وتدعو الجمعية إلى تعزيز المراقبة البيئية وتحسيس المهنيين بمخاطر الصيد غير المنظم وربط التنمية الاقتصادية بحماية التنوع البيولوجي.كشفت دراسة علمية حديثة انجزتها جمعية AZIR لحماية البيئة، عرضت خلال ندوة صحفية، عن اختلالات خطيرة تهدد قطاع الصيد البحري بالواجهة المتوسطية المغربية، أبرزها التراجع الكبير في المخزون السمكي نتيجة الاستغلال المفرط والممارسات غير المستدامة. وأظهرت الدراسة، المعتمدة على معطيات رسمية وبحث ميداني، أن إنتاج الصيد الساحلي والتقليدي انخفض بأكثر من 30% مقارنة بسنة 2017، مع تدهور ملحوظ في أصناف رئيسية مثل السردين والأخطبوط وأبو سيف.
كما نبه التقرير إلى استمرار الصيد غير القانوني وضعف المراقبة البحرية، إضافة إلى فجوة بين القوانين والتطبيق، وغياب إشراك فعلي للصيادين في اتخاذ القرار. وحذرت الدراسة أيضًا من تدهور النظم البيئية البحرية وانتشار الأنواع الغازية، ما يهدد التنوع البيولوجي.
ودعت الجمعية إلى تدخل عاجل لإنقاذ الثروة السمكية عبر تشديد المراقبة، ودعم البحث العلمي، واعتماد سياسات تدبير تشاركية تضمن حماية البيئة واستدامة النشاط الاقتصادي، مؤكدة أن حماية البحر الأبيض المتوسط المغربي مسؤولية جماعية.

توسع آفاق الاستثمار البحري: بين الإمكانات المؤجلة وغياب الجرأة التنموية

يمتلك إقليم الحسيمة مؤهلات طبيعية تجعل منه قطبا واعدا للاستثمار في الاقتصاد الأزرق غير أن تحويل هذا الرصيد إلى واقع اقتصادي ملموس ما يزال يسير بوتيرة بطيئة فإلى جانب الصيد البحري توجد فرص حقيقية لتطوير تربية الأحياء البحرية والسياحة البحرية المستدامة والصناعات المرتبطة بتثمين المنتوج المتوسطي.
غير أن ضعف جاذبية الاستثمار الصناعي البحري بالإقليم يرتبط بعدة عوامل منها محدودية البنية اللوجستيكية وتعقيد بعض المساطر الإدارية وغياب تحفيزات استثمارية موجهة خصيصا للمجال الساحلي الحسيمي ويخشى المتتبعون أن يؤدي استمرار هذا الوضع إلى تفويت فرص اقتصادية مهمة كان يمكن أن تحول الساحل المتوسطي للحسيمة إلى منصة إنتاجية متقدمة داخل الاقتصاد الوطني.

الشباب والقطاع البحري: معادلة التشغيل المفقودة

يشكل الشباب الفئة الأكثر تأثرا بتحديات القطاع البحري حيث يجد عدد من خريجي التكوين المهني البحري أنفسهم أمام سوق عمل محدود الفرص داخل الإقليم ويؤدي هذا الوضع إلى استمرار موجات الهجرة نحو طنجة وتطوان وفاس بحثا عن فرص عمل وتعليم أفضل ما يفرغ المناطق الساحلية والجبلية من طاقاتها البشرية الأكثر نشاطا.
ويرى الفاعلون المحليون أن إدماج الشباب في الاقتصاد البحري يتطلب برامج تشغيلية مبتكرة تربط بين التكوين والتوظيف مع دعم المبادرات المقاولاتية الصغيرة المرتبطة بالخدمات البحرية واللوجستيك بما يساهم في تثبيت الساكنة وتقوية النسيج الاقتصادي المحلي.

الحكامة المينائية: تحدي الشفافية والنجاعة

يرى عدد من المتابعين أن تطوير قطاع الصيد البحري بالحسيمة لا يرتبط فقط بتحديث البنيات التحتية بل أيضا بتحسين الحكامة المينائية وتعزيز الشفافية في تدبير الخدمات فالمهنيون يطالبون بتبسيط الإجراءات الإدارية المرتبطة بالتفريغ والتصريح وتسريع الخدمات التقنية داخل الميناء وتطوير أنظمة رقمية لتدبير العمليات البحرية.
كما أن تحسين الخدمات اللوجستيكية داخل الميناء يمكن أن يقلل من ظاهرة هجرة المراكب نحو موانئ أخرى ويعزز جاذبية النشاط البحري بالإقليم بما ينعكس إيجابا على الاقتصاد المحلي وفرص الشغل.

البحر المتوسط بالحسيمة: من مجال للصيد إلى فضاء تنموي متكامل

لم يعد البحر المتوسط بالنسبة للحسيمة مجرد مصدر للصيد بل أصبح فضاء تنمويا متعدد الوظائف يمكن أن يجمع بين الاقتصاد والسياحة والحماية البيئية فالساحل الحسيمي قادر على احتضان مشاريع السياحة البيئية البحرية والرياضات المائية والأنشطة المرتبطة بالاقتصاد الأزرق إذا تم توفير التخطيط الاستراتيجي المناسب.
غير أن تحقيق هذا التحول يتطلب رؤية مندمجة تربط بين التنمية الاقتصادية وحماية المنظومة البيئية حتى لا يتحول الاستثمار السياحي إلى عامل ضغط إضافي على الموارد البحرية أو سببا في اختلال التوازن البيئي للساحل المتوسطي.

الخلاصة العامة

يبقى الصيد البحري بالحسيمة قطاعا استراتيجيا يمكن أن يشكل رافعة تنموية حقيقية إذا توفرت الإرادة السياسية والتخطيط المندمج والاستثمار المستدام فالتحدي اليوم لم يعد في حجم المصطادات فقط بل في تحويل الثروة البحرية إلى قيمة اقتصادية واجتماعية تحمي الإنسان والبيئة معا.
إن مستقبل الحسيمة البحري مرهون بقدرة السياسات العمومية على تحويل البحر من مورد طبيعي مستغل إلى منظومة تنموية متكاملة حيث تتقاطع التنمية الاقتصادية مع العدالة المجالية والاستدامة البيئية بما يضمن استقرار الساكنة الساحلية ويفتح آفاقا جديدة أمام الشباب المحلي.