كتاب “نعيشُ لنحكي”: نحو مشروع سرديّ عربيّ واعد

rawi الإثنين 11 مارس 2024 - 00:08 l عدد الزيارات : 49043

سعيد العوادي*

ينتمي كتاب “نعيش لنحكي: بلاغة التخييل في كليلة ودمنة” إلى مشروعٍ بلاغيّ كبير وواعد في بلاغة السّرد أو “السرديات البلاغيّة”، ويمثّل إحدى حلقاته النّظريّة والتّطبيقية. وهو المشروع الذي استهلّه الباحث سنة 2022 من خلال كتاب “السرديات البلاغية: التأسيس الأرسطي لبلاغة السرد” الذي عاد فيه إلى جذور بلاغة السّرد ونظرية السّرد عامّة عند أفلاطون وأرسطو خاصّة من خلال كتاب “فنّ الشّعر” مخالفاً بذلك البلاغيين العرب الذين قصروا وعيهم البلاغي على كتاب الخطابة المختصّ في الخطاب الحجاجي وليس الخطاب التخييلي. ثمّ طبّق المنظور الأرسطي لبلاغة السّرد على القصص القرآني من خلال كتاب “بلاغة السّرد في قصص القرآن: تنظير وإنجاز في السرديات البلاغية”، الصادر في طبعتين: عن دار دجلة الأكاديمية بالعراق ودار أفريقيا الشرق بالمغرب سنة (2022)، وحاز جائزة الشارقة للدراسات اللغوية والمعجمية في السّنة نفسها، كما قرأ السّرد في كتاب يبدو بعيداً عن السّرد هو كتاب “البيان والتبيين” للجاحظ في كتاب: “بلاغة السّرد: الحكاية المركّبة في كتاب البيان والتبيين”، الصادر عن دار أفريقيا الشرق بالمغرب، سنة 2023. وفي سنة 2024 أطلق الباحث مصطفى رجوان بالاشتراك مع الباحث عادل المجداوي سلسلة “السّرديات البلاغية” عن دار كنوز المعرفة بالأردن، التي تعنى بالأفكار الجديدة في السرديات والسرديات البلاغية، وتأتي على شكل كتب أصيلة وكتب جماعية وكتب مترجمة يشرف عليها الباحثان، وقد صدر منها كتاب لعادل المجداوي بعنوان: “بلاغة التواصل السّردي: نحو سرديات للرواية العربية” والكتاب الجماعي: “الحجاج والتواصل السّردي” بمشاركة مجموعة من الباحثين من المغرب وخارجه.

يعمّق الباحث في كتاب “نعيش لنحكي” مفهومي البلاغة والسّرد، ويغني بلاغة السّرد برافدٍ جديد قادم من السياق الفرنكفوني ومنظور آخر، إضافة إلى منظور أرسطو، هو منظور الباحث فانسون جوف المختصّ في نظرية القراءة، لأنّ “السرديات البلاغية” هي جماع النظريات التي اهتمت بالمؤلّف والنص والقارئ والمتلقّي بشكل منفرد، فعمّق من خلاله المظاهر التخييلية والجمالية والفكرية للسّرد. كما قدّم رؤيةً فلسفية عميقة لكلّ من مفهومي البلاغة والسّرد، قبل التّحول إلى رسم معالم المقاربة البلاغية للسّرد. أمّا في الشقّ التحليلي، فقد قرأ الباحث حكايات “كليلة ودمنة” بفلسفة جديدة من خلال الانتصار للطبيعة التخييلية والجمالية لهذه الحكايات، غير حاصر إياها في المظهر التعليمي والإقناعي مؤكّداً أنّ مسعى التعليم والإقناع يفشَلُ دون المظهرين التخييلي والجمالي ودون نجاح الحكاية أسر القارئ فيهما. وقد كشفت قراءته مجموعة من التقنيات البلاغية السّردية والجمالية والتّأويلات التي، بلا شكّ، ستجدّد نظرة القارئ العربيّ لهذا النصّ التراثي الإنسانيّ.

ينظُرُ الباحث مصطفى رجوان في الكتاب إلى الحكاية المثلية على أنّها عالمٌ تخييلي في المقام الأوّل ووسيلة تواصلية تنضحُ باختيارات المؤلّف الذي ينوي التّأثير في قارئه بشكل من الأشكال، معوّلاً على ديناميات القراءة واستجابات القارئ التخييلية والجمالية والفكرية، ناظراً إلى قراءة السّرد على أنّها ليست مجرّد نشاط لاكتشاف المعنى بل على أنّها نشاطٌ معرفيّ وعاطفيّ وأخلاقيّ، وأيضاً جماليّ وفكريّ.

       تجدُر الإشارة إلى أنّ كتاب “نعيش لنحكي” قد وصل إلى القائمة القصيرة لجائزة الشّيخ زايد للكتاب (2024)، فرع المؤلّف الشاب، التي أُعلن عنها في مارس الجاري، وكان قد وصل الباحث مصطفى رجوان إلى القائمة نفسها سنة 2022 عن كتابه “الكائن البلاغي: اللغة والعقل والاستطاعة في كتاب البيان والتّبيين”.

* باحث في البلاغة وتحليل الخطاب.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image