تحلّ، اليوم الخميس، الذكرى الرابعة والثلاثون لوفاة القائد الوطني الكبير عبد الرحيم بوعبيد، الكاتب الأول الأسبق لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي وافته المنية في 8 يناير 1992، مخلفًا أثرًا عميقًا من الحزن والأسى في صفوف الحركة الوطنية، وفي وجدان المغاربة على اختلاف مشاربهم. وقد عكست جنازته المهيبة، التي احتشد لها الآلاف، المكانة الخاصة التي كان يحظى بها هذا الرمز التاريخي، لما جسّده من التزام صادق ودفاع ثابت عن القضايا العادلة.
في مثل هذا اليوم من سنة 1992، فقد المغرب أحد أبرز رجالاته السياسيين، ومؤسسي حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، عن عمر ناهز 69 عامًا. وكان عبد الرحيم بوعبيد من أصغر الموقعين على وثيقة المطالبة بالاستقلال في 11 يناير 1944، وهو الحدث الذي شكّل منعطفًا حاسمًا في مسار الكفاح الوطني ضد الاستعمار.
وُلد عبد الرحيم بوعبيد في 23 مارس 1922 بمدينة سلا، حيث تلقى تعليمه الأولي، قبل أن يلتحق بثانوية مولاي يوسف بالرباط، وينال شهادة الدروس الثانوية سنة 1938. وفي سنة 1945، شدّ الرحال إلى فرنسا لمتابعة دراسته بمعهد الدراسات السياسية بباريس بعد حصوله على الإجازة في القانون، ثم انخرط سنة 1949 في هيئة المحامين بالرباط.
انخرط بوعبيد مبكرًا في صفوف الحركة الوطنية ومقاومة الاستعمار الفرنسي، وساهم في تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال إلى سلطات الحماية، وتعرّض للاعتقال مرتين بسبب مواقفه الوطنية. كما شارك في مفاوضات “إيكس ليبان” التي مهدت لاستقلال المغرب، وعُيّن لاحقًا أول سفير للمملكة المغربية بباريس لمواصلة مسار التفاوض، قبل أن يُسند إليه منصب وزير الدولة المكلف بشؤون المفاوضات في حكومة مبارك البكاي.
وتقلّد بعد ذلك مسؤوليات حكومية وازنة، حيث شغل منصب وزير الاقتصاد الوطني والمالية من أكتوبر 1956 إلى ماي 1960، وأسندت إليه أيضًا حقيبة الفلاحة، كما كان نائبًا لرئيس الحكومة في حكومتي أحمد بلافريج وعبد الله إبراهيم.
وفي سنة 1975، كان عبد الرحيم بوعبيد من المؤسسين لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وانتُخب في 10 يناير من السنة نفسها كاتبًا أول للحزب خلال مؤتمر استثنائي، قبل أن يُعاد انتخابه لثلاث ولايات متتالية، تأكيدًا لثقة المناضلين في قيادته ورؤيته.
وخلال إقامته بباريس، نسج بوعبيد علاقات فكرية وسياسية وثقافية واسعة مع نخبة فرنسية بارزة، جمعت بين التعاطف والنقاش والصراع الفكري، وحرص على إيصال صوت القضية المغربية إلى دوائر التأثير. كما تابع باهتمام بالغ التحولات السياسية والاقتصادية الكبرى، واستوعب من خلال دراسته الفكر الاقتصادي الحديث، خاصة التوجه الكينزي الذي أسّس لفكرة تدخل الدولة في معالجة الأزمات وإعادة بناء الاقتصاد.
ولعل جنازة عبد الرحيم بوعبيد، بما حملته من رمزية ودلالات، لم تكن مجرد وداع لرجل سياسة، بل لحظة تأمل جماعي في مسار رجل علّم أجيالًا معنى الالتزام والصمت المسؤول قبل الكلام. وقد ظلّ حضوره، كما كتب محمد الهرادي، حيًا في الذاكرة، بصوته الرزين، وتواضعه العميق، واهتمامه بالأدب والفكر والسينما، وبقدرته على الإصغاء قبل الحديث.
برحيله، كبرت قامته في الذاكرة الوطنية، وبقي نموذجًا يُستعاد كلما استُحضرت قيم النزاهة والوضوح والوفاء للفكرة. نموذجًا لرجل تجاوز حدود الزمن، وظلّ حاضرًا في ضمير الوطن، كي لا يبقى الذين جاؤوا بعده صغارًا أمام معنى السياسة كما آمن بها وعاشها.








تعليقات
0