تواجه أسواق النفط العالمية دورياً صدمات حادة في الإمدادات نتيجة الحروب أو الأزمات الجيوسياسية أو الكوارث الطبيعية. وتُظهر التجارب التاريخية أن أي اضطراب في مناطق الإنتاج أو في طرق نقل النفط ينعكس سريعاً على الأسعار والاقتصاد العالمي.
وفي أحدث التطورات، حذّرت وكالة الطاقة الدولية من أن إغلاق مضيق هرمز قد يؤدي إلى أكبر اضطراب تشهده الأسواق النفطية في التاريخ، مع توقع تراجع الإمدادات بنحو ثمانية ملايين برميل يومياً خلال شهر مارس، أي ما يعادل نحو 8 في المائة من العرض العالمي. ولمواجهة الصدمة المحتملة، وافقت الدول الأعضاء في الوكالة على سحب كمية قياسية تبلغ 400 مليون برميل من المخزونات الاستراتيجية بهدف استقرار السوق وتعويض أي نقص محتمل في إنتاج الشرق الأوسط.
الحظر النفطي العربي 1973–1974
شكلت حرب أكتوبر سنة 1973 نقطة تحول في تاريخ سوق النفط العالمية، بعدما قررت الدول العربية المنتجة للنفط استخدام سلاح الطاقة للضغط السياسي. فقد أعلنت منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول (أوابك) خفض الإنتاج بنسبة 5 في المائة، مع تخفيضات شهرية إضافية بالنسبة نفسها.
وكان الهدف من هذه الخطوة الضغط على الدول الغربية الداعمة لإسرائيل بعد الحرب العربية الإسرائيلية. وتشير وثائق أميركية رفعت عنها السرية لاحقاً إلى أن الولايات المتحدة كانت تتوقع نقصاً يتراوح بين مليونين وثلاثة ملايين برميل يومياً، بينما بلغ إجمالي النقص لدى الدول المستهدفة بالحظر نحو 4.5 ملايين برميل يومياً.
وأدى الحظر، الذي استمر من أكتوبر 1973 إلى مارس 1974، إلى ارتفاع أسعار النفط إلى ما يقرب من أربعة أضعاف، إذ صعد سعر البرميل من نحو 2.9 دولار إلى 11.65 دولار. كما دفعت الأزمة الدول الصناعية إلى إنشاء وكالة الطاقة الدولية سنة 1974 لتنسيق الاستجابة العالمية لاضطرابات الإمدادات.
الثورة الإيرانية 1978–1979
شهدت الأسواق النفطية اضطراباً جديداً مع اندلاع الثورة الإيرانية التي أنهت حكم الشاه محمد رضا بهلوي. فقد أدى الاضطراب السياسي إلى تراجع حاد في الإنتاج الإيراني بلغ نحو 4.8 ملايين برميل يومياً، وهو ما يمثل حوالي 7 في المائة من الإمدادات العالمية آنذاك.
وارتفعت الأسعار بشكل سريع ابتداءً من منتصف عام 1979، حيث تضاعفت أكثر من مرتين خلال عام واحد، مدفوعة بمخاوف من استمرار الاضطرابات السياسية وعمليات التخزين المضاربي وارتفاع الطلب العالمي. وأسهمت الأزمة في تفاقم التضخم في الولايات المتحدة، ما دفع مجلس الاحتياطي الفدرالي إلى اعتماد سياسة نقدية صارمة للحد من ارتفاع الأسعار.
أزمة الخليج 1990–1991
أدى غزو العراق للكويت سنة 1990 وما تبعه من عقوبات دولية على صادرات النفط العراقية والكويتية إلى إزالة نحو 4.3 ملايين برميل يومياً من الأسواق العالمية.
وكان العراق ينتج قبل الحرب حوالي 3.1 ملايين برميل يومياً، بينما بلغ إنتاج الكويت نحو 1.8 مليون برميل يومياً، وهو ما جعل توقف صادرات البلدين يشكل صدمة كبيرة للأسواق النفطية.
وقد ارتفع سعر خام برنت من حوالي 17 دولاراً للبرميل في يوليو 1990 إلى نحو 36 دولاراً في أكتوبر من السنة نفسها، قبل أن تتراجع الأسعار بعد انتهاء الحرب في فبراير 1991. كما قامت وكالة الطاقة الدولية بتفعيل خطتها الطارئة لتوفير إمدادات إضافية للأسواق عبر السحب من المخزونات الاستراتيجية.
إعصار كاترينا وريتا 2005
لم تقتصر أزمات النفط على النزاعات السياسية، إذ يمكن للكوارث الطبيعية أيضاً أن تعطل الإنتاج بشكل كبير. ففي عام 2005 ضرب إعصار كاترينا ساحل الخليج الأميركي، وهو أحد أهم مناطق إنتاج النفط في الولايات المتحدة، ما أدى إلى توقف إنتاج نحو 1.38 مليون برميل يومياً في ذروة الأزمة.
وبعد أسابيع قليلة، ضرب إعصار ريتا المنطقة نفسها، ما أدى إلى توقف إنتاج يصل إلى 1.53 مليون برميل يومياً. ولمواجهة الأزمة، قامت وزارة الطاقة الأميركية بإقراض المصافي 9.1 ملايين برميل من الاحتياطي الاستراتيجي، كما شاركت الولايات المتحدة في عملية منسقة مع وكالة الطاقة الدولية لسحب نحو 30 مليون برميل من المخزونات العالمية.
غزو أوكرانيا 2022
أدى الغزو الروسي لأوكرانيا سنة 2022 إلى واحدة من أكبر أزمات الطاقة في العقود الأخيرة، نظراً للدور المركزي الذي تلعبه روسيا في سوق النفط والغاز العالمية.
وقد سارعت الدول الأوروبية إلى تقليص اعتمادها على الطاقة الروسية، في حين ارتفعت أسعار النفط بأكثر من 50 في المائة خلال أسابيع قليلة، ليصل سعر الخام إلى أعلى مستوياته منذ سنة 2008.
وفي محاولة لاحتواء الأزمة، أعلن الرئيس الأميركي آنذاك جو بايدن عن سحب 180 مليون برميل من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي على مدى ستة أشهر، كما فرضت الولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية سقفاً لأسعار صادرات النفط الروسي بهدف تقليص عائدات موسكو دون إحداث نقص حاد في المعروض العالمي.
سوق النفط بين الجغرافيا السياسية والاقتصاد
تكشف هذه المحطات التاريخية أن سوق النفط يبقى شديد الحساسية للأحداث السياسية والعسكرية، إضافة إلى الكوارث الطبيعية التي قد تضرب مناطق الإنتاج أو النقل.
كما تؤكد التجربة أن الدول المستهلكة الكبرى تلجأ غالباً إلى المخزونات الاستراتيجية كأداة رئيسية للتعامل مع صدمات الإمدادات، في انتظار عودة التوازن إلى السوق العالمية. وفي ظل استمرار التوترات الجيوسياسية في مناطق الإنتاج الرئيسية، يتوقع أن تبقى أسواق النفط عرضة لمثل هذه الاضطرابات خلال السنوات المقبلة.








تعليقات
0