وأنا أطالع قصاصة وكالة المغرب العربي للأنباء حول انخفاض أسعار الوقود للمستهلكين في كوريا الجنوبية في ظل الارتفاع الصاروخي لأسعار النفط عالميا، أتساءل لماذا هناك وليس هنا؟
ففي كل مرة ترتفع فيها أسعار المحروقات بالمغرب، يعود النقاش إلى الواجهة: لماذا لا ينخفض السعر بالسرعة نفسها التي يرتفع بها؟ ولماذا يبدو السوق في بعض الأحيان وكأنه يشتغل بمنطق واحد رغم تعدد الفاعلين؟
الجواب لا يوجد فقط في الأسواق الدولية، بل في بنية السوق الداخلية نفسها.
لنعد قليلا إلى الخلف، منذ توقف “لاسامير”، تغيرت قواعد اللعبة. لم يعد المغرب يمتلك أداة صناعية تمكنه من امتصاص جزء من الصدمات أو التأثير غير المباشر في الأسعار. أصبحنا أمام سوق يعتمد بالكامل على الاستيراد، حيث تتحكم شركات التوزيع في سلسلة الإمداد من الميناء إلى المضخة.
في هذا السياق، تبرز حقيقة لا يحب البعض قولها: ليس كل الفاعلين في القطاع معنيين بالدرجة نفسها بالقدرة الشرائية للمواطن. فكلما ارتفعت الأسعار واستقرت عند مستويات عالية، اتسعت هوامش الربح، خاصة في ظل غياب منافسة حقيقية مبنية على الشفافية الكاملة.
هنا يصبح السؤال أكثر حساسية: هل عودة التكرير المحلي، بأي صيغة كانت، تشكل تهديداً لبعض مصالح هذا التوازن القائم؟
الواقع أن وجود مصفاة وطنية لا يعني فقط إنتاج الوقود، بل يعني إدخال عنصر جديد في المعادلة: مرجعية سعرية داخلية، وقدرة على التخزين، وهوامش أقل عرضة للمضاربات الظرفية. وهذا وحده كفيل بإعادة تشكيل السوق.
من هذا المنظور، يمكن فهم لماذا لا يبدو ملف “لاسامير” أولوية لدى بعض الفاعلين. فالسوق الحالي، رغم ما يثيره من جدل، يوفر بيئة مريحة: طلب ثابت، أسعار مرتبطة بالخارج، وهوامش يصعب تدقيقها بشكل كامل من طرف الرأي العام.
لكن الاقتصاد ليس مجرد حسابات أرباح وخسائر للشركات، بل هو أيضاً توازن اجتماعي. وعندما تصبح الطاقة عبئاً متزايداً على الأسر والمقاولات، فإن السؤال يتحول من “كم نربح؟” إلى “أي نموذج نريد؟”.
المطلوب اليوم ليس العودة إلى الماضي، ولا الدفاع عن نموذج فشل في تدبيره، بل فتح نقاش شفاف حول مستقبل القطاع: من يصر على إفشال مساعي عودة تشغيل لاسامير بنفس جديد؟ لماذا نكتفي بسوق محرر شكلياً لكنه محدود المنافسة فعلياً؟ لماذا لا نعيد التفكير في أدوات تضمن توازناً حقيقياً بين الربح المشروع وحماية القدرة الشرائية؟
الأسواق الحرة لا تعني غياب الدولة، كما أن تدخل الدولة لا يعني خنق الاستثمار. بين هذين الحدين توجد منطقة رمادية، هي التي تُصنع فيها السياسات الذكية.
أقولها بوضوح ، أكبر خطر اليوم ليس في ارتفاع الأسعار فقط، بل في أن يتحول هذا الارتفاع إلى وضع عادي… لا يزعج إلا المواطن.








تعليقات
0