مرة أخرى، تعود الحكومة إلى نفس الوصفة: دعم مهنيي النقل لمواجهة ارتفاع أسعار المحروقات. قرار يحمل في ظاهره بعدًا اجتماعياً واضحاً، ويهدف إلى تخفيف الضغط على القدرة الشرائية. لكن في العمق، يظل السؤال الحاسم مطروحاً: من يستفيد فعلياً من هذا الدعم؟
التجربة السابقة تقدم إشارات غير مطمئنة. فقد ضخت الدولة مليارات الدراهم لدعم القطاع، غير أن الأسعار واصلت ارتفاعها، سواء في النقل أو في المواد الاستهلاكية. المواطن لم يلمس فرقاً يُذكر، بينما ظل الفاعلون في سلسلة التوزيع يتحركون بهوامش واسعة، خارج أي رقابة فعالة.
الإشكال لا يكمن فقط في ارتفاع كلفة المحروقات، بل في بنية السوق نفسها. فوجود ما يُعرف بـ”الفراقشية” و”الشناقة” يجعل أي دعم معرضاً للتآكل قبل أن يصل إلى وجهته المفترضة. هؤلاء الوسطاء غير المهيكلين يستفيدون من الفوضى التنظيمية، ويحوّلون كل تدخل حكومي إلى فرصة جديدة لتعظيم الأرباح.
في غياب ربط الدعم بالتزامات واضحة، يصبح من الصعب ضمان انعكاسه على الأسعار. لا توجد آلية تلزم المستفيدين بخفض التعريفة أو تثبيتها، ولا نظام تتبع يربط بين الدعم الممنوح والتكلفة الحقيقية للنقل. النتيجة أن الدعم يتحول إلى هامش إضافي داخل السوق، بدل أن يكون أداة لضبطه.
الأمر لا يتعلق فقط بالنقل، بل يمتد إلى سلاسل التوزيع ككل. فحتى إذا استفاد المهنيون من الدعم، فإن تعدد الوسطاء بين المنتج والمستهلك يجعل أي أثر إيجابي يتبخر تدريجياً. كل حلقة تضيف كلفتها وهامشها، إلى أن تصل الأسعار إلى مستويات لا تعكس الكلفة الأصلية.
المفارقة أن الدولة تتدخل لحماية القدرة الشرائية، لكنها تترك في المقابل مساحات واسعة للمضاربة. مراقبة الأسعار تظل محدودة، وآليات الضبط لا تواكب سرعة تحولات السوق، ما يطرح سؤال النجاعة: هل يكفي الدعم المالي دون إصلاح حقيقي لمنظومة المراقبة؟
اليوم، يبدو أن الرهان لم يعد فقط في ضخ الدعم، بل في توجيهه ومراقبة أثره. فبدون محاربة اقتصاد الريع والوساطة غير المنظمة، سيظل المواطن الحلقة الأضعف، وسيتحول الدعم إلى مورد إضافي داخل شبكة معقدة من المصالح.
الخلاصة واضحة: ما لم تُغلق منافذ المضاربة، سيبقى الدعم يدور داخل نفس الحلقة، بينما يظل جيب المواطن في انتظار أثر لا يصل.








تعليقات
0