تشهد إيران تصعيدًا غير مسبوق في وتيرة الاحتجاجات الشعبية، تزامن مع انقطاع واسع لخدمة الإنترنت شمل مختلف أنحاء البلاد، في مؤشر واضح على حدة التوتر الداخلي وسعي السلطات إلى تطويق الغضب المتنامي في الشارع.
وأفادت مجموعة NetBlocks المتخصصة في مراقبة حركة الإنترنت، بأن البلاد عرفت، الخميس، انقطاعًا شبه كامل في خدمات الاتصال الرقمية، دون أن تصدر السلطات الإيرانية أي توضيحات رسمية حول خلفيات هذا الإجراء أو مدته، في وقت تتواصل فيه التظاهرات المناهضة للأوضاع الاقتصادية والسياسية.
وبحسب شهادات متطابقة من العاصمة طهران ومدينتي مشهد وأصفهان، عاد المحتجون إلى الشوارع مرددين شعارات تنتقد حكم رجال الدين وتحمّلهم مسؤولية التدهور المعيشي، في تحدٍّ مباشر للرواية الرسمية التي تحدثت عن “عودة الهدوء” إلى المدن الكبرى. وفي موازاة ذلك، كثّفت شخصيات معارضة في الخارج دعواتها إلى توسيع رقعة الاحتجاج، حيث نشر رضا بهلوي، نجل شاه إيران الراحل، تسجيلاً مصورًا على منصة إكس دعا فيه الإيرانيين إلى مواصلة التحرك ضد النظام.
وفي هذا السياق، تداولت منصات التواصل الاجتماعي منشورات ومقاطع غير موثقة بشكل مستقل، تحدثت عن رفع شعارات مؤيدة للنظام الملكي السابق في عدد من المدن والبلدات، في مؤشر لافت على عودة الخطاب الملكي إلى الواجهة كأحد رموز الاحتجاج، رغم غيابه الطويل عن المشهد الداخلي. وقد أشارت رويترز إلى أنها لم تتمكن من التحقق بشكل مستقل من صحة هذه المقاطع.
ميدانيًا، أعلنت منظمة حقوقية مقتل ما لا يقل عن 45 محتجًا برصاص قوات الأمن، في حين أفادت مصادر رسمية بمقتل عنصر أمني طعنًا خلال المواجهات، ما ينذر بمزيد من التصعيد المتبادل ويعكس خطورة المنعطف الذي تمر به البلاد.
وتعود شرارة هذه الاحتجاجات إلى الشهر الماضي، حين اندلعت في منطقة البازار الكبير بطهران، على خلفية خروج التجار وأصحاب المحلات للتنديد بالانهيار الحاد في قيمة الريال الإيراني. وسرعان ما تحولت تلك التحركات المطلبية إلى موجة احتجاج أوسع وُصفت بأنها الأوسع منذ ثلاث سنوات، شملت مناطق متعددة في البلاد، في ظل أزمة اقتصادية خانقة يغذيها ارتفاع التضخم، وسوء التدبير، والعقوبات الغربية، إلى جانب القيود المفروضة على الحريات السياسية والاجتماعية.
وفي محاولة لاحتواء التداعيات الاقتصادية للاحتجاجات، وجّه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان تحذيرات مباشرة للموردين المحليين من تخزين السلع أو المبالغة في الأسعار، داعيًا إلى ضمان وفرة الإمدادات ومراقبة الأسواق. وقال إن “الناس يجب ألا يشعروا بأي نقص في السلع”، في إشارة إلى قلق السلطات من تحوّل الأزمة المعيشية إلى عامل تفجير اجتماعي يصعب السيطرة عليه.
غير أن الضغوط لا تقتصر على الداخل، إذ تتزامن الاضطرابات مع تصاعد التوتر الخارجي، لا سيما بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي لوّح فيها بإمكانية “نجدة المحتجين” في حال لجأت قوات الأمن الإيرانية إلى إطلاق النار عليهم. وتأتي هذه التصريحات بعد أشهر قليلة من ضربات أميركية–إسرائيلية استهدفت مواقع نووية إيرانية، ما يضفي على الخطاب الأميركي أبعادًا تتجاوز السجال السياسي إلى التلويح بخيارات أكثر حدة.
وتعكس هذه المواقف قراءة دولية مفادها أن إيران تمرّ بمرحلة هشاشة داخلية غير مسبوقة، وأن أي استخدام مفرط للقوة قد يفتح الباب أمام تدويل الأزمة أو نقلها إلى مستوى المواجهة الإقليمية. في المقابل، تجد طهران نفسها أمام معادلة معقدة: ضبط الشارع ومنع انهيار هيبة الدولة، من دون تقديم مبررات لتدخل خارجي مباشر.
ولا تنفصل هذه التطورات عن انعكاساتها الاقتصادية العالمية، إذ ارتفعت أسعار النفط بأكثر من اثنين في المئة، بعد يومين من التراجع، مدفوعة بإعادة تقييم المستثمرين للمخاطر الجيوسياسية، في ظل مخاوف تتعلق بالإمدادات من إيران وروسيا والعراق، إلى جانب تطورات فنزويلا، ما يؤكد حساسية أسواق الطاقة تجاه أي اضطراب يطال أحد كبار المنتجين.
وتكشف الأحداث الجارية في إيران عن تداخل معقد بين أزمة داخلية عميقة وضغوط خارجية متصاعدة، في وقت يبدو فيه هامش المناورة لدى السلطات محدودًا. وبين شارع يغلي تحت وطأة المعيشة والقيود، وتهديدات دولية متجددة، تقف طهران أمام اختبار بالغ الصعوبة قد يرسم ملامح المرحلة المقبلة، داخليًا وإقليميًا ودوليًا.








تعليقات
0