خمسة وعشرون عاما من العهد الجديد.. تكريم ملكي لجهة الشرق

rami الجمعة 26 يوليو 2024 - 19:26 l عدد الزيارات : 40377

.   عبد السلام المساوي

في الماضي كان المرء يتسلل الى وجدة او الناظور كالجرذ، اما اليوم فيدخل الانسان الى جهة الشرق كالفاتح ؛ فشرق المغرب كان – الى عهد قريب- مرادفا للتهريب والقرقوبي والحشيش ومافيا الهجرة السرية بسبب استقالة الدولة من تدبير 12 في المائة من التراب الوطني، وهي مساحة الجهة البالغة 82820 كلم مربع (أي ما يوازي مساحة النمسا أو كوريا الجنوبية) تاركة مصير هذه المنطقة ومصير مليوني مغربي كرهائن بيد الجزائر، أي أن 6,4 في المائة من المغاربة كانوا مشدودين لعقود بخيط واهم، ألا وهو فتح الحدود مع الجزائر لعل وعسى أن يظفروا بفرصة أو بنعمة تجعلهم متساوين مع المغاربة بباقي التراب الوطني، بدليل أن المناصب العمومية بمدن الجهة (خاصة الترابية والأمنية والقضائية) كانت تباع وتشترى من طرف اللاهثين وراء الثراء اللامشروع. حتى أن معظم من تعاقب على تسيير شؤون مدن الجهة الشرقية في العهد الماضي عاد وفي رصيده الملايين بدل أن يعود مخلفا وراءه المنشآت وجمالية المشهد الحضري، بسبب الاعتقاد الذي ترسخ انذاك بأن الجهة الشرقية هي “أرض بدون سيد” ho man’s land” وهو ما كشفته التقارير المنجزة في بداية الألفية الحالية التي أظهرت أن كل المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية بالجهة كانت حمراء.
استرجاع 12 في المائة من مساحة المغرب وجرها لتلتحق بباقي التراب الوطني ليست مجرد أمنية، بل هو مخطط طويل النفس وذو كلفة مالية عالية. وهذا ما انتهت إليه الدولة في أواخر 1999. إذ كانت الجهة الشرقية رابع محطة في تنقلات جلالة الملك محمد السادس بعد جهة مراكش والبيضاء وطنجة، حيث لم تمر على توليته الحكم سوى شهرين حتى شد الملك محمد السادس الرحال نحو وجدة والناظوروبركان وتاوريرت لوضع لبنات لما سمي في ما بعد في أدبيات الجامعة والأحزاب والجمعيات بالمنطقة “المصالحة مع أبناء المغرب الشرقي” خاصة وأن أبناء هذه المنطقة ظلوا لعقود يمولون الخزينة العامة بثلث العملة الصعبة، بالنظر إلى أن 33 في المائة من المهاجرين المغاربة ينحدرون من الحوض الشرقي دون أن تظهر تلك الثروة على قراهم ومدنهم، سواء تلك الموجودة في النجود العليا أو تلك المنتظمة في الريف الشرقي أو تلك الممتدة على طول نهر ملوية.

الزيارة الملكية للجهة الشرقية – مارس 2003: المغزى العميق:
ان هذه الزيارة شكلت تحولا تاريخيا بالنسبة للجهة الشرقية، وقد تكونت اليوم قناعة لدى كل القوى الحية بهذه المنطقة أنه يمكن الحديث عن مرحلة ما قبل الزيارة الملكية والخطاب التاريخي، والمرحلة الموالية التي تعتبر محطة ذهبية في تاريخ هذه المنطقة الحافلة بالعطاء، إن هذه الزيارة التاريخية/ الحدث العظيم تحتاج إلى وقفة تأمل إدراك مغزاها العميق وهذا ما سنحاول إبرازه في هذه التأملات.
أولا: في جدلية الشكل والمضمون:

من الصعوبة بمكان عزل الجوانب المتعلقة بالشكل عن تلك التي تتعلق بالمضمون، فالزيارة الملكية أعمق من أن يتم في إطارها عزل موضوع عن آخر، لذا، فإن محاولتنا هذه هي من باب منهجية الدراسة فقط.

لقد لاحظنا أن الزيارة الملكية تميزت هذه المرة بخصائص لم يسبق لنا أن لمسناها في الزيارات السابقة أو اللاحقة.
1- ميزة الاستقرار:

لقد كان واضحا منذ البداية ان هذه الزيارة لن تكون كسابقاتها المتعددة، انها ليست زيارة في اطار جولة بمختلف مناطق المغرب، وليست في زيارة التحام وعمل تنتهي بانتهاء الانشطة الرسمية المقررة في اطارها. ان الامر تعداه هذه المرة الى زيارة عمل شمولي يطبعها الاستقرار، فليس من السهل، ولم يسبق أبدا أن تم مثل الذي حدث هذه المرة: عشرة أيام بالجهة الشرقية، التي هي جهة حدودية بامتياز: حدود “حقيقية” من السعيدية إلى فكيك، وحدود وهمية بين الناظور ومليلية.
لقد استقر صاحب الجلالة بمدينة وجدة، وجعلها مركزا لعمله اليومي، ومنطلقا لأنشطته
بالجهةالشرقية: بركان، الناظور، السعيدية، تاوريرت ومن خلالها المناطق المحيطة بها.
لا أعتقد أن الأمر هنا مسألة شكلية بل هي أيضا مسألة مضمون: إن الجهة الشرقية بموقعها الحساس جهة آمنة كباقي جهات المملكة، كما أن وجدة ستبقى عاصمة المغرب الشرقي رغم كثافة الأنشطة الإقتصادية التي تتم خارجها.
2- تكريم ملكي لأبناء الجهة الشرقية:
أقام صاحب الجلالة بمدينة وجدة حفلين تكريمين لأبناء الجهة الشرقية، خارج مراسيم الاستقبال الرسمية. لقد تمت دعوة مجموعة واسعة جدا من فعاليات الجهة، من مختلف المناطق ومختلف الشرائح، ومختلف مجالات العمل: فعاليات سياسية، اقتصادية، اجتماعية، ثقافية، أكاديمية، إدارية، جماعية، جمعوية، رياضية، وأعيان…
لقد تشرف الجميع بالجلوس في نفس المكان إلى جانب صاحب الجلالة، وذلك في أول يوم من وصوله، يوم الاثنين 10 مارس، تم بعد ذلك الإستماع إلى الخطاب الملكي يوم الثلاثاء 18 مارس.
وحتى نوضح جدلية الشكل والمضمون، نقول أنه لأول مرة تتم مخاطبة أبناء الجهة الشرقية من خلال خطاب موجه مباشرة إليهم وخاص بجهتهم وليس عن طريق الإذاعة والتلفزة من خلال خطاب يهم المغرب ككل.
إن المضمون العميق هنا هو الالتحام الميداني المباشر بين الملك وأبناء جهة تتحمل الكثير نتيجة موقعها الجغرافي.
وبما أن السياسة رموز، فان الدولة اختارت أن تتخاطب مع الجهة الشرقية برمزية دالة، إذ على عكس المناطق الأخرى التي خصصت بجلسات عمل، فان جهة وجدةأفرد لها خطاب ملكي خاص، وهو ما لم يتسن لأي جهة.
نعم، كل المدن والقرى بالمغرب محكومة اليوم بهاجس الإنصاف المجالي والعدالة والترابية، لكن اذا استثنينا جهة طنجة التي حظيت بجلسة عمل ترأسها الملك لتحديد برنامج تنميتها (8 يوليوز 2002) ومنطقة الريف والحسيمة التي كانت لها نفس الحظوة (25 فبراير 2004) وجهة سوس التي تميزت هي الأخرى بجلسة لتسطير مشاريع تنميتها (15 يناير 2005) وجهة مكناس تافلالت لبحث سبل النهوض بها (25 شتنبر 2005)، فإن الجهة الشرقية هي الوحيدة التي خصها الملك بخطاب يوم 18 مارس 2003.
ثانيا: بخصوص مضمون الزيارة الملكية التاريخية مارس 2003.
لقد كان الخطاب الملكي السياسي ليوم 18 مارس 2003 نقطة تحول أساسية في مسار الجهة الشرقية عموما ومدينة وجدة على الخصوص، لأنه سطر خارطة طريق وبرنامج عمل للتنمية الشاملة لهذه الربوع، وبالفعل أصبحت الجهة، بفضل الرعاية الملكية، تعرف دينامية حقيقية، ونهضة تنموية بكل أبعادها، يقول صاحب الجلالة: “وتجسيدا لعنايتنا السامية بهذه المنطقة، ذات الإمكانيات الهائلة والمؤهلات البشرية، المتميزة بالإرادة القوية والجدية في العمل، فقد قررنا اتخاذ مبادرة ملكية لتنمية الجهة الشرقية، مرتكزة على محاور أربعة تهدف إلى تحفيز الاستثمار والمقاولات الصغرى والمتوسطة للشباب، وتزويد الجهة بالتجهيزات الأساسية، وإعطاء الأولوية لمشاريع اقتصادية هامة، فضلا عن النهوض بالتربية والتأهيل وتفعيل التضامن، معتمدين آليات للتمويل والمتابعة والتقييم، في التفعيل الملموس لمبادرتنا.
وسعيا منا للتخفيف من بطالة فئات من شباب الجهة ولتوفير وسائل العمل والتشغيل الذاتي فقد قررنا أن تنطلق هذه المبادرة بتخصيص ثلاثين مليارا من السنتيمات تضاف إليها مساهمات عدة مؤسسات، لتمويل مشاريع المقاولات، وضمان القروض الممنوحة لها، على أن يقوم المركز الجهوي للاستثمار بمهمة الاشراف على هذه العملية(…)
وحرصا منا على التنمية المندمجة لهذه الجهة، فقد قررنا احداث منطقة حرة بالناظور تضم الى جانب الميناء مناطق اقتصادية وتجارية وصناعية وسياحية مستهدفين

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image