الأسواق على المحك، والأسر تترقب: هل تقدر القدرة الشرائية على تحمل كلفة الأضحية هذا العام؟
أكد مصطفى بايتاس، الناطق الرسمي باسم الحكومة والوزير المنتدب المكلف بالعلاقات مع البرلمان، أن عيد الأضحى سيقام هذه السنة سيقام، بعدما كانت الإهابة الملكية بعدم نحر الأضاحي بسبب النقص الحاد في القطيع الوطني السنة الماضية.
ليس مهما أن يقال للمغاربة إن عيد الأضحى سيقام هذه السنة. المهم أن يقال لهم، بوضوح ودون لف أو دوران، كم سيكلفهم ذلك. لأن المشكلة لم تكن يوما في موعد العيد، ولا في رمزيته الدينية التي لا يختلف حولها أحد، بل في الكلفة التي صارت تثقل كاهل الأسر، وفي السوق التي تحولت، في كل موسم، إلى امتحان قاس للقدرة الشرائية.
من السهل اليوم الحديث عن تحسن في وضعية القطيع، وعن دعم موجه للقطاع، وعن مراعي انتعشت بفعل التساقطات. لكن من الصعب إقناع المواطن بأن كل هذا سيترجم تلقائيا إلى أسعار معقولة. التجربة علمت الناس أن الخطاب الرسمي شيء، وما يقع في الأسواق شيء آخر. علمتهم أن وفرة الحديث عن “التحسن” لا تعني بالضرورة وفرة في العرض، ولا تعني أبدا عدلا في الأثمان.
الحقيقة التي لا يجب الهروب منها هي أن هذا الملف لا يقاس بالبلاغات، بل بما سيجده المواطن في السوق الأسبوعي، وما سيطلبه “الشناقة”، وما سيفرضه الوسطاء، وما ستنتهي إليه الأسعار في الأيام الأخيرة قبل العيد. هناك فقط ينتهي الكلام وتبدأ الحقيقة. أما قبل ذلك، فكل شيء يظل مجرد رواية رسمية مؤقتة، قد تصمد في الندوات، لكنها لا تصمد دائما أمام جيب المواطن.
لقد عاش المغرب سنة فلاحية صعبة في المرحلة الماضية، وتعرض القطيع الوطني لاستنزاف واضح، ووجد المربون أنفسهم بين مطرقة الجفاف وسندان الأعلاف والنقل والتكاليف. لكن هذا كله لا يمنع من طرح السؤال المؤجل دائما: لماذا يُترك قطاع بهذه الحساسية يصل في كل مرة إلى حافة الاختلال، ثم يُطلب من الناس بعد ذلك الاكتفاء بخطاب الطمأنة؟ وأين كانت السياسات الوقائية قبل أن تتفاقم الأزمة؟ وأين كانت المراقبة حين تحولت الأسواق إلى فضاء مفتوح للمضاربة والربح السريع؟
المثير في هذا النقاش أن بعض الجهات تريد أن تقدم عودة عيد الأضحى هذا العام كما لو أنها انتصار كامل. وهذا في حد ذاته تبسيط مخل. لأن إقامة العيد ليست هي المشكلة، بل شروط إقامته. فإذا كانت الأضحية ستظل فوق طاقة شريحة واسعة من الأسر، فما الذي تغير فعلا؟ وإذا كان المواطن سيضطر إلى الاستدانة أو التضحية بحاجيات أساسية حتى يساير المناسبة، فأين هو هذا “الوضع العادي” الذي يجري الحديث عنه؟
المطر لا يصنع معجزة، والدعم لا يصبح نجاحا لمجرد الإعلان عنه. النجاح الحقيقي هو أن يشعر به الناس. أن يلمسه المربي في كلفة أقل وضغط أخف، وأن يلمسه المستهلك في سعر لا يحوله إلى ضحية جديدة للسوق. دون ذلك، سنكون مرة أخرى أمام المشهد نفسه: خطاب مطمئن في الأعلى، وقلق صامت في الأسفل.
ثم إن أي حديث عن دعم القطاع يظل ناقصا ما لم ترافقه الشفافية الكاملة. من استفاد؟ كيف وُزعت الموارد؟ ما أثرها الفعلي على القطيع؟ وما الذي ضمن ألا تتحول بعض حلقات الدعم إلى مجرد أرقام للاستهلاك السياسي؟ هذه ليست أسئلة مزعجة، بل أسئلة ضرورية. لأن المال العام ليس مادة للتجميل الإعلامي، بل أداة يفترض أن تنتج أثرا واضحا وقابلا للقياس.
المغاربة لا يطلبون المستحيل. هم يريدون فقط أن تُحترم عقولهم. أن يُقال لهم إن الأزمة لم تنته بالكامل، وإن هناك تحسنا نسبيا، لكن هناك أيضا مخاطر قائمة. يريدون خطابا يعترف بأن السوق قد تفسد ما تعد به الطبيعة، وأن الوسطاء قد يبتلعون أثر الدعم، وأن القدرة الشرائية تظل الحلقة الأضعف مهما كثرت المؤشرات المتفائلة.
لهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل سيقام عيد الأضحى؟ بل: لمن سيصبح هذا العيد ممكنا فعلا؟ للأسر الميسورة فقط؟ أم لعموم المواطنين؟ هنا يجب أن تتجه الأنظار، وهنا ينبغي أن يكون النقاش. لأن الشعائر حين تصبح خاضعة بالكامل لمنطق الأسعار، يفقد الحديث الرسمي جزءا كبيرا من معناه.
أقولها من الآن وعلى مسؤوليتي، الاختبار لم يبدأ بعد. سيبدأ حين تقترب أيام العيد، وحين تخرج الأضاحي إلى الأسواق، وحين يواجه المواطن الثمن الحقيقي. يومها فقط سنعرف إن كانت كل هذه الوعود مقدمة لانفراج فعلي، أم مجرد محاولة جديدة لربح الوقت وتهدئة الرأي العام إلى أن تتكلم السوق بلغتها القاسية المعتادة.








تعليقات
0