تكشف معطيات سوق السيارات بالمغرب لسنة 2024 عن مفارقة لافتة في توزيع المبيعات بين المدن، إذ تستحوذ الدار البيضاء وحدها على 41,1 في المائة من مبيعات السيارات السياحية الجديدة، متقدمة بفارق واسع على الرباط (10,9 في المائة) وأكادير (7,3 في المائة) ومراكش (7,0 في المائة) وطنجة (5,7 في المائة). وهذه الأرقام واردة في عرض جمعية مستوردي السيارات بالمغرب حول أداء السوق الوطنية خلال سنة 2024.
هذا المعطى لا يمكن قراءته فقط من زاوية الكثافة السكانية أو حجم الاستهلاك، بل يكشف، في العمق، عن استمرار تمركز خلق الثروة والقدرة التمويلية في المجال الحضري الكبير للدار البيضاء، بما يشمله من امتدادات وظيفية وسكنية واقتصادية تتجاوز الحدود الإدارية الصرفة للمدينة. فحين تقترب مدينة واحدة من حيازة نصف مبيعات السيارات الجديدة، فإن ذلك يعكس قوة الطلب الصادر عن الأسر والمقاولات، ويؤشر إلى ثقل اقتصادي فعلي في التشغيل والخدمات والتمويل والاستثمار.
في المقابل، تثير حصة طنجة، التي لم تتجاوز 5,7 في المائة في هذا التصنيف، نقاشا مشروعا حول الفرق بين الصورة المتداولة لمدينة صاعدة صناعيا ولوجستيكيا، وبين وزنها الحقيقي في بعض مؤشرات السوق الداخلية. فالمكانة الصناعية أو الرمزية لا تنعكس بالضرورة، بالسرعة نفسها، على مؤشرات الاستهلاك المحلي أو على حجم الطلب المدني الواسع، خاصة حين يتعلق الأمر بسوق يرتبط بالقدرة الشرائية، والتمويل، وتمركز المقرات الاقتصادية، وأسطول الشركات.
وتزداد دلالة هذه الأرقام حين توضع في سياق الأداء العام للسوق، إذ سجل المغرب سنة 2024 ما مجموعه 176.401 سيارة جديدة، بارتفاع 9,2 في المائة مقارنة بسنة 2023، بينما بلغت مبيعات السيارات السياحية والمركبات النفعية الخفيفة نموا متزامنا، وفق عرض الجمعية نفسها. كما أوضحت الوثيقة أن السوق اقترب من مستواه القياسي لسنة 2018، في ظل عودة الطلب وتحسن العرض وتراجع نسبي في ضغوط التمويل.
غير أن الأهم من الأرقام الخام هو ما تفتحه من أسئلة أوسع حول نموذج التنظيم الترابي بالمغرب. فاستمرار هذا التركز القوي للثروة والخدمات والطلب في محور الدار البيضاء الكبير يعيد طرح جدوى المقاربات الإدارية التقليدية، ويدفع نحو التفكير في منطق الأقطاب الحضرية الكبرى، بوصفه أقرب إلى الواقع الاقتصادي الفعلي من التقسيمات الجامدة. فالمجالات التي تنتج الثروة اليوم لم تعد تقف عند حدود العمالات والجهات، بل صارت تشتغل بمنطق الامتداد الحضري، والتنقل اليومي، وتكامل أسواق الشغل والخدمات والسكن.








تعليقات
0