في قلب إصلاح مالي يُسوّق له باعتباره خطوة لتقوية تمويل الاقتصاد، يبرز وجه آخر أقل بريقًا: تحويل الديون المتعثرة إلى سلعة قابلة للبيع في سوق ثانوية. قد يبدو الأمر تقنيًا، لكن تداعياته الاجتماعية تضع المواطن في صلب معادلة غير متكافئة، حيث يتحول من زبون إلى ملف يُتداول بين جهات تبحث عن الربح قبل أي اعتبار آخر.
حين تقرر الأبناك تفويت ديونها، فهي في الواقع تُخرج العلاقة من إطارها التقليدي القائم على التفاوض وإعادة الجدولة، لتدخلها في منطق السوق المفتوحة. هنا، لا يعود المدين طرفًا في علاقة بنكية يمكن تدبيرها بمرونة، بل يصبح في مواجهة جهات متخصصة في التحصيل، غالبًا ما تعتمد مقاربات أكثر صرامة وتسريعًا للمساطر.
هذا التحول يحمل في طياته مخاطر حقيقية. فالمواطن الذي كان يأمل في إعادة ترتيب وضعيته المالية، قد يجد نفسه أمام ضغط متزايد، سواء عبر المتابعات القضائية أو إجراءات التنفيذ. ومع تقلص هامش الحلول الودية، يتحول التعثر من وضعية قابلة للمعالجة إلى أزمة قد تتفاقم بسرعة.
وسط هذا المشهد، تبرز كلفة أخرى لا تقل خطورة: تضخم فوائد القروض الجديدة ومصاريف المساطر. فبدل أن يكون إصلاح المنظومة مدخلًا لتخفيف العبء عن المقترضين، قد يجد المواطن نفسه أمام شروط أكثر تشددًا، وفوائد أعلى، ورسوم قضائية وإجرائية تتراكم كلما تعقد الملف. وهنا يتحول الدين من التزام مالي إلى دوامة تتغذى من الفوائد والغرامات والتكاليف، ما يعمّق هشاشة الأسر بدل معالجتها.
وفي العمق، يكشف هذا التوجه عن اعتراف غير مباشر بفشل جزء من المنظومة البنكية في تدبير قروضها المتعثرة. فبدل تطوير أدوات داخلية ناجعة لإعادة الهيكلة والمواكبة، يتم اللجوء إلى تفويت هذه الديون لجهات أخرى. وهنا يطرح سؤال جوهري نفسه: ما الذي تمتلكه شركات التحصيل من سلطة أو آليات تجعلها أكثر قدرة على استرجاع الديون مما تمتلكه الأبناك نفسها؟
هل هو الإطار القانوني؟ أم أساليب الضغط؟ أم أن الأمر يتعلق فقط بنقل المشكلة إلى طرف أكثر تشددًا؟
الأخطر من ذلك أن هذا المسار قد يُترجم ميدانيًا إلى إلقاء الزبناء في مواجهة مصيرهم دون حماية كافية. فبمجرد بيع الدين، تتراجع مسؤولية البنك، بينما يجد المواطن نفسه أمام فاعل جديد لا يملك معه أي تاريخ تعاقدي أو هامش ثقة. هكذا يتحول الانتقال من بنك إلى شركة تحصيل إلى ما يشبه قفزة في المجهول، قد تنتهي بالحجز أو التنفيذ أو فقدان التوازن المالي والاجتماعي.
القلق لا يقف عند حدود الضغط المالي. فعملية نقل الديون تعني أيضًا نقل معطيات شخصية حساسة، تتعلق بالوضعية المالية والاجتماعية للمدينين. ورغم الحديث عن ضمانات قانونية، فإن نجاح هذا الورش سيظل مرتبطًا بمدى صرامة المراقبة وفعالية آليات حماية هذه البيانات.
ثم هناك البعد الأعمق، المرتبط بطبيعة الاختيارات الاقتصادية نفسها. فبدل التركيز على مواكبة المتعثرين وإيجاد حلول مستدامة لإعادة إدماجهم في الدورة الاقتصادية، يتم الاتجاه نحو تفويت الديون كحل سريع لتخفيف عبء الأبناك. هكذا، يُنقل جزء من المخاطر إلى المجتمع، في وقت تظل فيه الفئات الهشة هي الأكثر عرضة للانعكاسات.
المفارقة أن الهدف المعلن هو تحرير السيولة وإنعاش القروض، لكن دون ضمانات اجتماعية موازية، قد يؤدي ذلك إلى نتيجة عكسية: مواطنون أكثر حذرًا من الاقتراض، ونظام مالي يُنظر إليه بعين الريبة بدل الثقة.
إن ما يجري اليوم يتجاوز كونه إصلاحًا تقنيًا. إنه اختبار حقيقي لقدرة السياسات العمومية على تحقيق التوازن بين متطلبات الاستقرار المالي وحماية النسيج الاجتماعي. فالسوق قد تنجح في تصريف الديون، لكنها لا تستطيع وحدها احتواء تداعياتها الإنسانية.
وفي غياب تأطير صارم يضمن حقوق المدينين ويضع حدودًا واضحة لأساليب التحصيل، تظل المخاوف قائمة من أن تتحول هذه السوق إلى فضاء تُدار فيه الأزمات بمنطق تجاري صرف، بينما يدفع المواطن الثمن.








تعليقات
0