عماد عادل  / محمد الطالبي

استفاق المغاربة صباح أمس الأربعاء على موجة جديدة من الزيادات في أسعار المحروقات، هي الثالثة من نوعها في ظرف أسابيع متتالية، ما أعاد ملف تسعير الوقود إلى صدارة النقاش العمومي. فقد ارتفع سعر الغازوال بـ1,70 درهم للتر الواحد لينتقل من 12,80 إلى 14,50 درهما، بينما سجل البنزين زيادة قدرها 1,57 درهم ليستقر عند 15,50 درهما، وهو ما يعكس انتقال الأسعار إلى مستويات جديدة في ظرف زمني وجيز.
وتندرج هذه الزيادة ضمن سلسلة من المراجعات المتقاربة، إذ لم يمض سوى 15 يوما على الزيادة السابقة التي تم اعتمادها في 16 مارس، والتي بلغت درهمين في لتر الغازوال و1,44 درهما للبنزين، ما يعني أن الأسعار سجلت خلال نصف شهر فقط ارتفاعا تراكميا قدره 3,70 درهما للغازوال و3,01 درهما للبنزين. ويعكس هذا التطور تسارعا واضحا في نقل تقلبات السوق الدولية إلى السوق المحلية، في وقت تتزايد فيه المؤشرات حول محدودية فعالية آليات الضبط والمنافسة في كبح حدة هذه الارتفاعات.
وتتزامن هذه التطورات مع استمرار التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، والتي ساهمت في رفع أسعار النفط الخام والمنتجات المكررة في الأسواق الدولية، غير أن انعكاس هذه الزيادات على السوق المغربية يظل محل نقاش، خصوصا في ظل تعدد المؤشرات التي تفيد بوجود فجوة بين تطور الأسعار الدولية ومستوى الأسعار المعتمدة في محطات الوقود. كما أن الاعتماد شبه الكلي للمغرب على استيراد المواد البترولية يجعل من السوق الوطنية أكثر عرضة للتقلبات الخارجية، لكنه في المقابل يطرح إشكالية غياب أدوات داخلية للتعديل والتوازن، سواء على مستوى التخزين أو التكرير أو تنظيم المنافسة.
وقد خلفت هذه الزيادة الجديدة حالة من التذمر الواسع في صفوف المواطنين، بالنظر إلى تأثيرها المباشر على القدرة الشرائية وعلى كلفة النقل وأسعار السلع والخدمات، في ظل سياق اقتصادي يتسم بضغط تضخمي مستمر. كما تعيد هذه التطورات طرح سؤال فعالية السياسات العمومية المرتبطة بتحرير أسعار المحروقات، ومدى قدرة الحكومة على ضبط السوق أو التدخل لتخفيف حدة التقلبات، خاصة في ظل تزايد المؤشرات التي تتحدث عن تركيز السوق في يد عدد محدود من الفاعلين، وتراجع دور آليات الضبط المؤسساتية.
وفي الوقت الذي تعزى فيه هذه الزيادات إلى عوامل خارجية مرتبطة بتقلبات السوق الدولية، تشير معطيات متعددة إلى وجود اختلالات بنيوية داخلية تؤثر بشكل مباشر على تحديد الأسعار، من بينها ضعف المخزون الاستراتيجي، وتعثر استغلال القدرات الوطنية في التكرير، إلى جانب طبيعة العلاقات التعاقدية بين شركات التوزيع ومسيري محطات الوقود، وهو ما يجعل السوق أقل مرونة في مواجهة الصدمات، وأكثر ميلا إلى تمرير الزيادات بسرعة أكبر مقارنة بوتيرة الانخفاض.

زريكم يكشف اختلالات خطيرة في سوق المحروقات ويدعو مجلس المنافسة للتدخل العاجل

في تصريح خص به جريدة «الاتحاد الاشتراكي» كشف جمال زريكم، رئيس الجامعة الوطنية لأرباب وتجار ومسيري محطات الوقود بالمغرب، عن معطيات مقلقة بخصوص تموين السوق الوطنية بالمحروقات، وذلك خلال مداخلة له أمام مجلس المنافسة في إطار جلسة استماع خُصصت لمناقشة تقلبات الأسعار الدولية والوطنية.
وأوضح زريكم أن الجامعة سجلت، قبل أيام من منتصف شهر مارس 2026، شروع عدد من الشركات الموزعة في تقليص الطلبيات الموجهة إليها من طرف المحطات، في حين امتنعت شركات أخرى بشكل كلي عن تزويد المحطات التي تحمل علامتها، مبررة ذلك بنقص المخزون، وهو ما اعتبره سلوكا غير مبرر في ظل ارتفاع الطلب.
وأضاف أن هذه الفترة عرفت إقبالا كبيرا من طرف المستهلكين على محطات الوقود، نتيجة توقعات بزيادات مرتقبة في الأسعار، ما أدى إلى حالة من الاكتظاظ والفوضى داخل عدد من المحطات. وأبرز أن الشركات، رغم علمها بهذا الوضع، تركت أصحاب المحطات في مواجهة مباشرة مع المستهلكين، حيث منحتهم حرية تعديل الأسعار دون تمكينهم من كميات كافية لتلبية الطلب.
وأشار رئيس الجامعة إلى أن هذا الوضع أدى إلى توقف عدد من المحطات عن العمل بعد نفاد مخزونها، في وقت استمرت فيه بعض الشركات في الامتناع عن إرسال كميات إضافية، ما يطرح، حسب تعبيره، تساؤلات جدية حول المسؤولية القانونية والأخلاقية لهذه الشركات.
واتهم زريكم بعض الفاعلين في القطاع بتكريس هيمنة اقتصادية مطلقة وفرض تبعية قانونية على المحطات، دون توفير بدائل تضمن استمرارية التزويد وحماية الأمن الطاقي، معتبرا أن هذه الممارسات تعكس سلوكا احتكاريا يهدف إلى تحقيق أرباح كبيرة على حساب المستهلك.
وفي هذا السياق، شدد على أن الزيادة التي بلغت درهمين في اللتر الواحد تعد مرتفعة، ولا تراعي القدرة الشرائية للمواطنين ولا مصالح المهنيين، داعيا إلى تدخل عاجل لمجلس المنافسة من أجل وضع حد لهذه الاختلالات.
وقدم رئيس الجامعة مجموعة من المقترحات، من بينها إرساء آلية شفافة لمراقبة أسعار المحروقات، تُمكن المستهلك من معرفة تركيبة السعر وهوامش الربح لكل من الشركات الموزعة والمحطات، إلى جانب تسليط الضوء على الفارق الكبير بين أسعار الشراء بالنسبة للمحطات ونظيرتها في المعاملات بين الشركات.
كما دعا إلى مراجعة العقود الإذعانية التي تربط المحطات بالشركات، معتبرا أنها تقيد حرية المحطات وتضعف قدرتها التفاوضية، فضلا عن إعادة النظر في نظام الحصرية الذي يمتد في بعض الحالات لأكثر من 20 سنة، لما يطرحه من إشكالات تتعلق بحرية السوق والمنافسة.
وختم زريكم مداخلته بالتأكيد على ضرورة تحقيق توازن حقيقي داخل سوق المحروقات، عبر ضمان الشفافية وتكافؤ الفرص، وحماية المحطات باعتبارها الطرف الأضعف، بما يضمن في نهاية المطاف تزويد المستهلك المغربي بمادة حيوية بثمن مناسب وجودة حقيقية.

تقرير مجلس المنافسة يرصد انتقالا غير متوازن للزيادات الدولية إلى السوق الوطنية ويكشف فروقات في التسعير وهوامش الربح

من جهته أصدر مجلس المنافسة مذكرة تحليلية مفصلة تتناول تطور أسعار الغازوال والبنزين في الأسواق الدولية وانعكاسها على أسعار البيع بمحطات الوقود في المغرب خلال الفترة الممتدة من 1 إلى 16 مارس 2026، في سياق دولي يتسم بتقلبات حادة وارتفاع سريع في أسعار النفط الخام والمنتجات المكررة نتيجة التوترات الجيوسياسية، خاصة في منطقة الشرق الأوسط.
وأوضح المجلس أن المغرب، بحكم اعتماده شبه الكامل على استيراد المواد البترولية، يتأثر بشكل مباشر بهذه التحولات، حيث تنعكس التغيرات الدولية على تكاليف التزود، غير أن انتقال هذه الزيادات إلى الأسعار المحلية لا يتم بنفس الوتيرة أو بنفس الحجم بين مختلف المنتجات. ففي الوقت الذي سجلت فيه الأسعار الدولية ارتفاعا ملموسا، أظهرت المعطيات أن أسعار الغازوال في السوق الوطنية لم تعكس هذه الزيادة بشكل كامل، حيث تم تسجيل فارق ناقص بلغ 0,89 درهم للتر، ما يعني أن جزءا من الزيادة الدولية لم يتم تمريره إلى المستهلك النهائي.
في المقابل، سجلت أسعار البنزين وضعا معاكسا، حيث تجاوزت الزيادة المطبقة على المستوى الوطني نظيرتها المسجلة دوليا، بفارق زائد بلغ 0,17 درهم للتر، وهو ما يطرح تساؤلات حول منطق التسعير المعتمد، خاصة في ظل اختلاف سلوك نقل الأسعار بين منتجين يخضعان لنفس السياق الدولي.
كما أبرزت المذكرة وجود تفاوتات في أسعار التفويت بين الفاعلين لفائدة مسيري محطات الوقود، حيث بلغت الفوارق حوالي 0,20 درهم للتر بالنسبة للغازوال، وهو ما يمثل نحو 10 في المائة من متوسط الزيادة المسجلة، غير أن هذه الفوارق، ورغم محدوديتها، لا تنعكس بشكل واضح على أسعار البيع بالتقسيط، حيث تؤدي دينامية السوق إلى نوع من الاصطفاف السعري بين مختلف المحطات.
وفي هذا السياق، أشار مجلس المنافسة إلى أنه عقد سلسلة من جلسات الاستماع مع أبرز الفاعلين في قطاع توزيع المحروقات، بهدف تقييم مدى توافق تغيرات الأسعار الدولية مع الأسعار المعتمدة محليا، في إطار مهامه المرتبطة بضمان شفافية الأسواق وحماية قواعد المنافسة.
كما أعلن المجلس عن إطلاق مشاورات مع مهنيي القطاع بخصوص نظام مراجعة الأسعار نصف الشهري، والذي يتم تطبيقه في السوق الوطنية، بهدف دراسة إمكانية تطوير هذه الآلية بما يساهم في تحسين الأداء التنافسي للسوق، مع الحفاظ على توازناته، خاصة في ظل الانتقادات التي توجه لهذا النظام باعتباره يحد من دينامية المنافسة ويكرس نوعا من التماثل في السلوك السعري بين الفاعلين.
وتعكس هذه المعطيات، وفق قراءة تحليلية، وجود اختلالات في كيفية انتقال الأسعار من السوق الدولية إلى السوق الوطنية، سواء من حيث الحجم أو التوقيت، وهو ما يفتح النقاش حول مدى شفافية سلاسل التوريد والتسعير، ودور الفاعلين في تحديد الأسعار النهائية، في ظل غياب آليات واضحة تمكّن المستهلك من تتبع مكونات السعر وهوامش الربح في مختلف حلقات السلسلة.

محمد جدري ينتقد محدودية التقرير ويحذر من اختلالات بنيوية مرتبطة بالمخزون وتركيز السوق وآليات التسعير

وفي تعقيبه على خلاصات مجلس المنافسة، اعتبر محمد جدري، مدير مرصد العمل الحكومي، أن المذكرة التحليلية، رغم أهميتها، لم تتطرق إلى مجموعة من الاختلالات البنيوية التي تفسر بشكل أعمق طبيعة الأزمة في سوق المحروقات، مشيرا إلى أن الإشكال لا يرتبط فقط بتقلبات الأسعار الدولية، بل يتجاوز ذلك إلى بنية السوق وآليات اشتغالها.
وفي هذا الإطار، أبرز جدري أن مسألة التخزين الاستراتيجي تظل من أبرز نقاط الضعف، حيث لا يتجاوز المخزون لدى الفاعلين 24 إلى 31 يوما، في حين ينص القانون على ضرورة توفر مخزون يغطي 60 يوما، مع فرض غرامة تصل إلى 5 دراهم عن كل لتر غير مخزن عن كل يوم تأخير، غير أن هذه الغرامات، وفق تعبيره، لا يتم تطبيقها، وهو ما يطرح إشكالية على مستوى تفعيل القانون وآليات المراقبة.
كما أشار إلى وجود تركيز مفرط في السوق، حيث يتحكم ثلاثة فاعلين فقط من أصل 36 في أكثر من 52 في المائة من الحصة السوقية، فيما يسيطر تسعة فاعلين كبار على ما يفوق 82 في المائة، وهو ما يؤدي، حسب تحليله، إلى إضعاف المنافسة، حيث يميل الفاعلون إلى الحفاظ على هوامش الربح بدل الدخول في تنافس سعري حقيقي.
وأضاف أن نظام مراجعة الأسعار نصف الشهري، الذي يتم اعتماده في السوق الوطنية، يعكس بدوره نمطا شبه موحد في تعديل الأسعار، وهو ما يحد من دينامية السوق ويجعلها أقرب إلى سوق منظمة بشكل غير مباشر، رغم أنها مصنفة كسوق محررة.
واعتبر جدري أن هذه العوامل مجتمعة تفسر ظاهرة الاصطفاف السعري بين مختلف المحطات، حيث تتقارب الأسعار بشكل لافت رغم وجود فوارق في تكاليف التزود، وهو ما يعزز فرضية وجود اختلالات هيكلية تحد من فعالية المنافسة، وتؤثر بشكل مباشر على المستهلك النهائي.

الحسين اليماني يرد على مغالطات وزيرة الطاقة بخصوص سامير

أما الحسين اليماني، الكاتب العام للنقابة الوطنية للبترول والغاز التابعة للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، فقد اعتبر أن التصريحات الأخيرة لوزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة بخصوص استغلال الطاقة التخزينية لشركة سامير لا تعكس الواقع الفعلي، مؤكدا أن ما جرى لا يتعدى كراء خزان واحد فقط لفائدة فاعل جديد في السوق.
وأوضح اليماني أن سعة هذا الخزان لا تتجاوز 80 ألف متر مكعب، من أصل قدرة إجمالية تناهز مليوني متر مكعب، أي ما يمثل حوالي 4 في المائة فقط من الطاقة التخزينية الإجمالية، وهو ما يطرح، حسب تعبيره، تساؤلات حول جدوى الحديث عن استغلال فعلي لقدرات الشركة.
وأشار إلى أن تعطيل مصفاة سامير وعدم استغلال إمكاناتها في التكرير والتخزين ساهم بشكل مباشر في إضعاف قدرة السوق الوطنية على التحكم في كلفة الاستيراد، وتقليص الاعتماد على الخارج، كما أدى إلى فقدان آلية مهمة لضبط الأسعار، سواء عبر تقليص تكاليف النقل أو الاستفادة من هوامش التكرير.
وأضاف أن غياب هذه الحلقة الصناعية أدى إلى تكريس هيمنة الفاعلين الكبار في السوق، وإضعاف شروط المنافسة، ما انعكس بشكل مباشر على الأسعار وعلى مستوى المخزون، معتبرا أن إعادة تشغيل المصفاة أو استغلال قدراتها بشكل فعلي يمكن أن يشكل رافعة أساسية لإعادة التوازن إلى السوق.
وشدد اليماني على أن استمرار الوضع الحالي، دون تدخل لإصلاح الاختلالات البنيوية، سيؤدي إلى مزيد من الضغط على المستهلكين، خاصة في ظل غياب آليات فعالة للتدخل أو التعديل، سواء على مستوى التخزين أو التكرير أو تنظيم السوق.