ملفات جنائية بتهم ثقيلة تطفو مجددا على بعد أسابيع قليلة من النظر فيها و المحكمة تفكك رواية الاتهام

ittihadpress الإثنين 6 أبريل 2026 - 09:46 l عدد الزيارات : 44516

مصطفى الناسي

يشهد ملف تاجر المخدرات الدولي المعروف إعلاميا بـ“إسكوبار الصحراء” تطورات متسارعة داخل محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، خاصة بعد المرافعات المطولة التي قدمتها هيئات الدفاع عن عدد من المتابعين في هذا الملف، وعلى رأسهم سعيد الناصري، حيث ركزت هذه المرافعات على التشكيك في الأسس القانونية التي بنيت عليها المتابعات، وعلى ضعف وسائل الإثبات، معتبرة أن الملف يعتمد بشكل كبير على تصريحات شخص واحد دون وجود أدلة مادية أو تقنية تدعم هذه الاتهامات الثقيلة.
وقد انصبت مرافعات الدفاع أساسا على الطعن في مصداقية التصريحات التي أدلى بها الحاج أحمد بن إبراهيم، الملقب بـ“إسكوبار الصحراء”، معتبرين أن هذه التصريحات لا يمكن أن تشكل أساسا لمتابعات جنائية خطيرة، بالنظر إلى سوابق المصرح القضائية في قضايا المخدرات وتزوير الوثائق، إضافة إلى وجود أحكام قضائية تثبت تورطه في تغيير الحقيقة، وهو ما يجعل، حسب الدفاع، أقواله محل شك كبير ولا يمكن الاعتماد عليها لإدانة أشخاص آخرين دون وجود أدلة مستقلة تؤكد ما جاء فيها.
كما أبرزت هيئة الدفاع ما اعتبرته تناقضات واضحة في تصريحات المصرح، خاصة فيما يتعلق بتواريخ دخوله إلى المغرب، حيث قدم روايات مختلفة في أكثر من مناسبة، إذ تحدث مرة عن سنة 2012 ومرة أخرى عن سنة 2007، إضافة إلى حديثه عن علاقات مع بعض المتهمين خلال فترة زمنية كان فيها أحدهم قاصرا، وهو ما اعتبره الدفاع مؤشرا على عدم دقة الرواية وعلى وجود ثغرات زمنية ومنطقية في التصريحات المعتمدة في الملف.
ومن النقاط التي ركز عليها الدفاع أيضا غياب الأدلة التقنية، حيث أكد المحامون أن الملف لا يتضمن مضمونا واضحا للمكالمات الهاتفية التي قيل إنها كانت تجمع بين المصرح وبعض المتهمين، موضحين أن تفريغ المكالمات لا يتضمن أي حديث عن صفقات مخدرات أو معاملات مالية مشبوهة أو تنسيق لعمليات غير قانونية، وهو ما اعتبروه دليلا على أن المتابعة بنيت على التأويل أكثر مما بنيت على وقائع ثابتة ومدعومة بأدلة ملموسة.
وفي ما يتعلق بسعيد الناصري، الرئيس السابق لنادي الوداد البيضاوي، فقد ركز دفاعه على نفي تهمة الاتجار الدولي بالمخدرات، مؤكدا أن الملف يخلو من أي حالة تلبس أو حجز لمخدرات أو أموال أو وسائل يمكن أن تربطه بشكل مباشر بهذا النشاط الإجرامي، معتبرا أن الشك ما زال قائما في عدد من الوقائع، وأن القاعدة القانونية المعروفة تقضي بأن الشك يفسر لصالح المتهم.
كما عاد دفاع الناصري إلى ما يعرف بملف “فيلا كاليفورنيا”، التي كانت من بين الأسباب التي فجرت القضية، حيث قدم رواية مفصلة تفيد بأن الأمر يتعلق بصفقة عقارية عادية بدأت برغبة الرئيس السابق للاتحاد الإفريقي لكرة القدم أحمد أحمد في اقتناء فيلا بالمغرب، وأن الناصري تدخل بصفته صديقا ووسيطا لإتمام الصفقة، قبل أن يتراجع المشتري لاحقا، وهو ما دفع الناصري، حسب رواية الدفاع، إلى إتمام عملية الشراء بنفسه بعد اتفاق مع مالك العقار، البرلماني السابق المير بلقاسم، في إطار معاملة موثقة قانونيا وبحضور موثق.
وأشار الدفاع إلى أن الموثق الذي أشرف على العملية أدلى بشهادته أمام المحكمة وأكد توثيق المعاملة سنة 2017، معتبرا أن ذلك دليل على قانونية الصفقة، كما استغرب توجيه تهمة التزوير إلى موكله في الوقت الذي لم تتم متابعة الموثق المسؤول قانونا عن صحة العقود، وهو ما اعتبره الدفاع تناقضا في مسار المتابعة.
وفي سياق متصل، تطرقت مرافعات الدفاع إلى تصريحات الفنانة لطيفة رأفت، طليقة الحاج أحمد بن إبراهيم، حيث اعتبر الدفاع أن أقوالها بدورها تتضمن تناقضات، خاصة فيما يتعلق بواقعة زيارة “فيلا كاليفورنيا”، مشيرا إلى أن بعض التفاصيل الواردة في تصريحاتها لا تتطابق مع ما ورد في محاضر الاستماع الأخرى، وهو ما اعتبره الدفاع دليلا إضافيا على وجود تضارب في الروايات التي بني عليها الملف.
كما أكد الدفاع أن تفريغ المكالمات الهاتفية بين الناصري والحاج أحمد بن إبراهيم لا يتضمن أي حديث عن ديون أو معاملات مالية مرتبطة بالفيلا أو بصفقات أخرى، بل إن المكالمات، حسب الدفاع، كانت تتضمن طلبات مساعدة وعبارات مجاملة فقط، دون وجود ما يشير إلى معاملات مشبوهة أو تحويلات مالية غير قانونية.
وبخصوص العلاقة بين الناصري و“إسكوبار الصحراء”، أقر الدفاع بوجود علاقة صداقة وتواصل بين الطرفين، لكنه شدد على أن الصداقة أو التواصل الهاتفي لا يمكن أن يشكلا دليلا على تورط جنائي، ما لم تكن هناك أفعال ملموسة وأدلة مادية تثبت المشاركة في نشاط إجرامي، وهو ما اعتبر الدفاع أنه غير متوفر في الملف.
وفي ختام مرافعاتهم، التمست هيئات الدفاع التصريح ببراءة موكليهم من جميع التهم المنسوبة إليهم، معتبرين أن الملف يعتمد أساسا على تصريحات متناقضة وغير مدعومة بأدلة مادية أو تقنية، وأن شروط الإثبات في القضايا الجنائية الثقيلة غير متوفرة، كما طالبوا برفع الحجز عن ممتلكات المتهمين والتصريح بعدم قبول المطالب المدنية، مؤكدين أن الأصل في القانون هو البراءة، وأن الإدانة يجب أن تبنى على اليقين وليس على الشك أو التصريحات المجردة.

بعيوي وشقيقه وقاسم بلمير وآخرون ..ملف “إسكوبار الصحراء”.. صراع المرافعات بين دفاع يتحدث عن غياب الأدلة ونيابة تؤكد وجود شبكة منظمة

الجدل القانوني والقضائي يتواصل بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء حول القضية المعروفة إعلاميا بملف “إسكوبار الصحراء”، الذي يتابع فيه عدد من الأسماء البارزة في عالم السياسة والرياضة والأعمال، وسط صراع قانوني قوي بين دفوعات هيئة الدفاع ومرافعات النيابة العامة، في واحدة من أكبر قضايا الاتجار الدولي بالمخدرات وغسل الأموال التي عرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة.
وخلال جلسات المحاكمة، ركزت هيئة الدفاع عن عدد من المتهمين على تفنيد تصريحات المالي الحاج أحمد بن إبراهيم، الملقب بـ”إسكوبار الصحراء”، معتبرة أن الملف بني بشكل كبير على تصريحاته، رغم صدور أحكام قضائية سابقة في حقه في قضايا تتعلق بالمخدرات وتزوير وثائق، وهو ما يجعله، حسب الدفاع، فاقدا للمصداقية ولا يمكن اعتماد تصريحاته أساسا لمتابعات جنائية ثقيلة.
وسجل الدفاع أن تصريحات “إسكوبار الصحراء” شابتها تناقضات عديدة، خصوصا في ما يتعلق بتواريخ دخوله إلى التراب الوطني والعلاقات التي ادعى ربطها ببعض المتهمين خلال فترات زمنية قال الدفاع إن بعضها غير منطقي، مشيرا إلى أن أحد المتهمين كان قاصرا خلال الفترة التي ادعى المالي أنه كان على علاقة به فيها، وهو ما يطرح، حسب الدفاع، علامات استفهام كبيرة حول صحة روايته.
كما شدد المحامون على غياب أدلة تقنية تدعم الاتهامات، مؤكدين أن الملف لا يتضمن تسجيلات أو مضمون مكالمات هاتفية تثبت وجود تنسيق أو اتفاق بين المتهمين والمصرح، معتبرين أن التصريحات تبقى مجرد أقوال لا ترقى إلى مستوى الشهادة القانونية التي يؤدي صاحبها اليمين أمام المحكمة، وهو ما يجعل، وفق تعبيرهم، المتابعة تفتقر إلى وسائل إثبات مشروعة كما ينص على ذلك قانون المسطرة الجنائية.
وفي السياق نفسه، دافع المحامي ياسين بنمسعود عن موكله عبد الرحيم بعيوي، شقيق الرئيس السابق لجهة الشرق عبد النبي بعيوي، معتبرا أن القضية تحولت إلى “ملف انطباعات أريد لها أن تصبح قرائن”، مشددا على أن الزخم الإعلامي الذي رافق الملف لا يمكن أن يعوض غياب الأدلة المادية.
وقدم الدفاع ثلاث خبرات محاسباتية لتبرير مصادر ثروة موكله، حيث أكدت الخبرة الأولى تحقيق أرباح مهمة من ضيعات فلاحية ومواشي ومقالع رملية، فيما أبرزت خبرة ثانية رقم معاملات كبير للمقالع خلال سنوات محددة، بينما أكدت خبرة ثالثة وجود أرباح مهمة من صفقات عمومية خاضعة للنظام الضريبي المغربي، ليخلص الدفاع إلى أن مجموع المبالغ المبررة يصل إلى مئات الملايين من الدراهم، وهو ما يبرر، حسب قوله، الإيداعات المالية التي اعتبرتها المتابعة غير مبررة.
كما نفى الدفاع وجود أي اتصال هاتفي أو تقاطع جغرافي بين هواتف عبد الرحيم بعيوي و”إسكوبار الصحراء” خلال الفترات التي ادعى هذا الأخير حصول لقاءات بينهما فيها، منتقدا في الوقت نفسه رفض إجراء خبرة تقنية على الهواتف، معتبرا أن ذلك كان من شأنه حسم الجدل حول وجود أي علاقة بين الطرفين من عدمها.
وفي ما يتعلق بقضية الشاحنات التي طمست أرقامها التسلسلية، أوضح الدفاع أن الأمر يتعلق بإجراء احترازي يهدف إلى منع استعمال شاحنات قديمة انتهت صلاحيتها في أنشطة غير قانونية بعد إخراجها من الخدمة، نافيا أن يكون الهدف إخفاء معالم جريمة كما ذهبت إلى ذلك المتابعة.
وبخصوص التهم المتعلقة بالاتجار في المخدرات وتصديرها، اعتبر الدفاع أن الملف يفتقر إلى الوقائع المادية المحددة، مشددا على أن جريمة الاتجار بالمخدرات تقتضي قانونا تحديد الفاعل وموضوع الاتجار وصوره واتخاذ ذلك نشاطا اعتياديا، وهو ما قال إنه غير متوفر في الملف، مضيفا أن جريمة التصدير تقتضي تحديد الكمية والوجهة والقيمة، وهي عناصر قال الدفاع إنها غائبة عن الملف.
من جهة أخرى، تناولت مرافعات دفاع البرلماني السابق المير بلقاسم قضية فيلا “كاليفورنيا” التي أثارت جدلا كبيرا في الملف، حيث أكد الدفاع أن العقد التوثيقي للفيلا تم توقيعه بين موكله وعبد النبي بعيوي، وأن الموثق أكد حضور الطرفين واتفاقهما على الثمن وتوقيعهما على العقد، نافيا علم موكله بوجود وكالة لفائدة طليقة بعيوي، ومشددا على أن موكله غير متابع أصلا بتزوير تلك الوكالة ولم يستعملها، وبالتالي فإن متابعته بتزوير محرر رسمي، حسب الدفاع، غير مؤسسة قانونا، خاصة وأن الوكالة طالها التقادم.
كما اعتبر الدفاع أن شهادة الفنانة لطيفة رأفت تخدم موكله، لأنها أكدت أنها حضرت نقاشا بين المير بلقاسم والحاج أحمد بن إبراهيم حول ثمن الفيلا، وأن بلقاسم كان ينوي تقديمها تقديرا للفنانة، وهو ما اعتبره الدفاع دليلا على أن ملكية الفيلا كانت معروفة.
في المقابل، قدمت النيابة العامة رواية مغايرة، حيث اعتبر نائب الوكيل العام أن عبد النبي بعيوي يعد عضوا رئيسيا في شبكة تهريب المخدرات المرتبطة بـ”إسكوبار الصحراء”، بينما لم يقتصر دور سعيد الناصري، الرئيس السابق لنادي الوداد البيضاوي، على الجانب اللوجستي فقط، بل شارك، حسب النيابة العامة، في عمليات تهريب مخدرات لحسابه الخاص.
وأشارت النيابة العامة إلى واقعة حجز 40 طنا من المخدرات بمدينة الجديدة سنة 2015، معتبرة أن الناصري كان مساهما بجزء من تلك الشحنة، كما أكدت أن العلاقة بينه وبين “إسكوبار الصحراء” كانت وطيدة، مستندة إلى تحويلات مالية قال شهود إنها أرسلت إلى المالي أثناء اعتقاله.
كما تحدثت النيابة العامة عن شاحنات اقتناها عبد النبي بعيوي من “إسكوبار الصحراء” واستعملت في نقل المخدرات، مشيرة إلى أن الخبرة التقنية أثبتت أن اللوحات الرقمية لتلك الشاحنات كانت مزورة، وأن طمس الأرقام تم بأوامر منه، مضيفة أن الشاحنات كانت تستقبل في مستودع تابع لشركته.
وفي ما يخص سعيد الناصري، أكدت النيابة العامة أنه تسلم سيارات تعود ل»إسكوبار الصحراء” وتم إيداعها بمرآب نادي الوداد البيضاوي، وأن شهودا أكدوا أنهم تلقوا تعليمات مباشرة منه لنقل تلك السيارات أو إخفائها، كما استندت إلى معطيات تقنية لتحديد المواقع قالت إنها تثبت حضوره عشاء أقامه “إسكوبار الصحراء”، رغم نفيه لذلك.
وبين دفوعات الدفاع التي تؤكد غياب الأدلة المادية واعتماد الملف على التصريحات والقرائن، ومرافعات النيابة العامة التي تتحدث عن شبكة منظمة وعلاقات مالية ولوجستيكية وتقنية تثبت التورط، يبقى الحسم النهائي بيد هيئة المحكمة، التي ينتظر أن تفصل في واحد من أكثر الملفات القضائية تعقيدا وإثارة للجدل في المغرب.

محاكمة مبديع.. جدل قانوني حول مسؤولية الموظفين في الصفقات العمومية

يشهد ملف الوزير الأسبق والرئيس السابق لجماعة الفقيه بنصالح، محمد مبديع، تطورات جديدة داخل محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، حيث تحوّلت جلسات المحاكمة في الأسابيع الأخيرة إلى ساحة نقاش قانوني دقيق حول حدود مسؤولية الموظف العمومي في تدبير الصفقات العمومية، والتمييز بين المسؤولية الإدارية والمسؤولية الجنائية، في ملف يُعد من أبرز ملفات تبديد المال العام المعروضة حاليا على القضاء.
وخلال جلسات الترافع، ركزت هيئات الدفاع عن عدد من المتهمين، خاصة الموظفين وأعضاء لجنة فتح الأظرفة، على الدفع ببراءة موكليهم، معتبرة أن التهم الموجهة إليهم لا ترقى إلى مستوى الجرائم الجنائية، وأنها في أقصى تقدير يمكن أن تندرج ضمن أخطاء أو اختلالات إدارية لا تستوجب المتابعة الجنائية، وفق تعبير الدفاع.
وأكد دفاع المتهمين أن المتابعات المسطرة في حقهم تفتقر، حسب رأيهم، إلى العناصر التكوينية لجنح مثل الإهمال الخطير أو المشاركة في تبديد أموال عمومية، مشددين على أن أعضاء لجنة فتح الأظرفة كانوا يشتغلون في إطار مهام محددة بدقة، تتعلق أساسا بدراسة ملفات العروض المقدمة في إطار الصفقات العمومية، والتحقق من استيفائها للشروط القانونية والتقنية المنصوص عليها في دفاتر التحملات ونظام الاستشارة.
وأوضح الدفاع أن دور هذه اللجان يقتصر على تقييم العروض وتنقيطها وتوثيق ذلك في محاضر رسمية وفق المساطر القانونية المعمول بها في الصفقات العمومية، قبل إحالة الملفات على السلطات المختصة للمصادقة النهائية، وهو ما يعني، حسب الدفاع، أن أعضاء اللجنة لا يتحملون مسؤولية مراحل التنفيذ أو الأداء المالي أو تتبع الأشغال بعد إسناد الصفقة.
كما توقف الدفاع عند مسألة إقصاء بعض مكاتب الدراسات من صفقات معينة، مؤكدا أن نظام الاستشارة هو المرجع الأساسي الذي يحكم عملية تقييم العروض، وأن اللجنة التزمت بتطبيق المعايير المحددة مسبقا، وهو ما ينفي، بحسبهم، وجود أي إقصاء تعسفي أو تلاعب بنتائج الصفقات.
وفي جانب آخر من المرافعات، أثار الدفاع مسألة التقادم، ملتمسا سقوط الدعوى العمومية في حق بعض المتابعين، إضافة إلى المطالبة برفع الحجز عن الممتلكات والتصريح بعدم الاختصاص في بعض المطالب المدنية، معتبرا أن تقرير المفتشية العامة لوزارة الداخلية الذي استندت إليه المتابعة يتضمن ملاحظات إدارية وتقنية ولا يثبت وجود أفعال إجرامية.
وفي جلسة أخرى من المحاكمة، عاد الجدل القانوني ليتركز حول مسؤولية الموظف العمومي، حيث أكد دفاع أحد الموظفين المتابعين بتهمة المشاركة في تبديد أموال عمومية أن موكله “مجرد موظف وليس آمرا بالصرف”، وأن المسؤولية القانونية عن الصفقات العمومية تقع بالأساس على رئيس الجماعة بصفته الآمر بالصرف والمسؤول عن التدبير المالي.
وأوضح الدفاع أن الموظف، في إطار الصفقات العمومية، تكون مسؤوليته مرتبطة أساسا بمراقبة جودة الأشغال والتتبع التقني، وليس بالتدبير المالي أو صرف الاعتمادات، مشيرا إلى أن نظام الضمانات المالية المعمول به يفرض الاحتفاظ بمبلغ الضمانة إلى غاية انتهاء الأشغال، وهو ما يشكل آلية لحماية المال العام وضمان إنجاز الأشغال وفق المعايير المطلوبة.
كما أشار الدفاع إلى أن عدم وجود شكايات من الشركات المتنافسة على الصفقات موضوع المتابعة يعتبر مؤشرا، حسب رأيه، على أن المساطر التي اتبعتها الجماعة كانت سليمة، وأن المتنافسين لم يسجلوا اعتراضات أو طعونا في نتائج الصفقات، وهو ما اعتبره دليلا إضافيا على غياب التلاعب.
وانتقد الدفاع أيضا تقرير المفتشية العامة لوزارة الداخلية، معتبرا أنه تضمن مغالطات، خاصة في ما يتعلق بتوقيت إنجاز التقرير، حيث أشار إلى أن اللجنة أنجزت تقريرها قبل انتهاء الأشغال، في حين كان من المفترض إنجازه بعد انتهاء المشاريع لتقييم مدى مطابقة الأشغال للمعايير المطلوبة.
ومن بين النقاط القانونية التي أثارها الدفاع كذلك، مسألة متابعة بعض المتهمين بالمشاركة في أفعال مرتبطة بصفقات لا تدخل أصلا ضمن المتابعات الموجهة للمتهم الرئيسي، وهو ما اعتبره خللا قانونيا، لأن المشاركة في جريمة تقتضي وجود الجريمة الأصلية، وإذا لم تكن الصفقة موضوع متابعة للمتهم الرئيسي فلا يمكن قانونا متابعة أشخاص آخرين بالمشاركة فيها.
كما شدد الدفاع على ضرورة تحديد المسؤوليات بشكل فردي، رافضا مبدأ المطالبة بالتعويض التضامني بين جميع المتهمين، ومؤكدا أن لكل متهم مسؤوليته الخاصة، وأن المحكمة لا يمكنها الحكم بتعويضات دون تحديد دقيق للأضرار والمسؤوليات.
وفي سياق إجراءات المحاكمة، قررت الهيئة القضائية مراسلة نقيب هيئة المحامين بالدار البيضاء من أجل تعيين محامين في إطار المساعدة القضائية لفائدة بعض المتهمين الذين لم يحضر دفاعهم، مؤكدة أن المحكمة عازمة على مواصلة المحاكمة وتسريع وتيرتها، وأن الملف لن يعرف مزيدا من التأخيرات بسبب غياب الدفاع.
وقررت المحكمة تأجيل الجلسة إلى موعد لاحق من أجل مواصلة الاستماع إلى مرافعات الدفاع، في انتظار المرور إلى المراحل الموالية من المحاكمة، في ملف يتابع فيه عدد من المسؤولين والموظفين على خلفية صفقات عمومية تعود إلى سنوات سابقة خلال فترة تسيير محمد مبديع لجماعة الفقيه بنصالح.
ويُرتقب أن تستمر جلسات هذا الملف في استقطاب اهتمام الرأي العام، بالنظر إلى طبيعة التهم المرتبطة بتبديد أموال عمومية، وكذلك بسبب النقاش القانوني الذي يثيره حول حدود مسؤولية المنتخبين والموظفين في تدبير الصفقات العمومية، وهو نقاش يتجاوز هذا الملف ليطرح إشكالات أوسع مرتبطة بتدبير الشأن المحلي وربط المسؤولية بالمحاسبة.

جوناثان هاروش عندما.. تتحول قاعات الرياضة إلى ملف جنائي ثقيل

تشهد محكمة الاستئناف بالدار البيضاء واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في الآونة الأخيرة، حيث تتواصل جلسات محاكمة مالك مجموعة القاعات الرياضية المعروفة “سيتي كلوب”، في ملف ثقيل تتداخل فيه اتهامات بالاتجار بالبشر والتحرش الجنسي والابتزاز والتعنيف، وهي التهم التي ينفيها المتهم بشكل متواصل، مؤكدا أن ما يُنسب إليه مجرد ادعاءات صادرة عن أشخاص تجمعهم مصالح مشتركة.
داخل قاعة الجلسات، يسود توتر واضح كلما تم استعراض محاضر الضابطة القضائية أو الاستماع إلى الشهادات، إذ تحولت القضية من ملف مرتبط في بدايته بشيكات بدون رصيد إلى قضية جنائية معقدة تتضمن اتهامات خطيرة، بعد توالي تصريحات مستخدمات ومستخدمين سابقين داخل القاعات الرياضية التابعة للمجموعة. وخلال إحدى الجلسات، استعرضت المحكمة تصريحات وصفت بالصادمة لإحدى المستخدمات السابقات، التي أكدت أنها حين طالبت بمستحقاتها المالية، تم استدعاؤها إلى مكتب المتهم، حيث عرض عليها، حسب روايتها، امتيازات مالية وسكناً وسيارة مقابل الدخول في علاقة جنسية ينتج عنها حمل، وهو العرض الذي قالت إنه تضمن التكفل بجميع المصاريف، مع مطالبتها بكتمان الأمر. هذه التصريحات أثارت ردود فعل داخل القاعة، في حين سارع المتهم إلى نفيها بشكل قاطع، مؤكدا أن ما ورد في تلك الشهادة “غير صحيح”.
ولم تكن هذه الشهادة الوحيدة، إذ تحدثت مستخدمات أخريات عن أجواء عمل وصفنها بالصعبة، مشيرات إلى تعرض بعضهن لتحرشات لفظية وضغوط نفسية، وإلى استعمال عبارات مهينة في حق المستخدمين، فضلا عن استغلال النفوذ داخل المؤسسة. كما أشارت إحدى المصرحات إلى أنها بعد مغادرتها العمل كانت تُطلب لمرافقة مسؤولين إلى مطاعم وحانات، قبل أن يُعرض عليها، حسب تصريحها، الحضور إلى شقة خاصة مقابل وعد بتمكينها من شقة، وهو ما نفاه المتهم بدوره أمام المحكمة.
ومن بين اللحظات التي أثارت الكثير من النقاش داخل الجلسات، عرض شريط فيديو يوثق واقعة تعنيف أحد المستخدمين، حيث بدا المتهم وهو يوجه له عبارات تهديد وعنف، الأمر الذي حاول تبريره أمام المحكمة بكونه مجرد “عتاب أب لابنه”، غير أن الهيئة القضائية اعتبرت أن ما ظهر في الفيديو لا يمكن اعتباره أسلوباً إدارياً في التعامل داخل مؤسسة خاصة، وطرحت تساؤلات حول حدود السلطة داخل فضاء العمل.
القضية عرفت أيضاً تطورات أخرى بعد عرض تفاصيل توقيف المتهم داخل فندق بمدينة الدار البيضاء رفقة فتاتين، حيث أقرت المعطيات المعروضة أمام المحكمة بأن إحداهما كانت في وضع شبه عارٍ، كما تم العثور بحوزته على كبسولات من الكوكايين ومبالغ مالية. المتهم اعترف بواقعة التوقيف وبوجود الفتاتين، لكنه نفى أن تكون للأمر علاقة بأفعال إجرامية، موضحاً أن الأموال كانت مخصصة لتسليمها لهما، في حين صرحت إحدى الموقوفات أن استدعاءها كان بدعوى تسلم مبلغ مالي مرتبط بمستحقاتها، قبل أن تتهمه بمحاولة استدراجها لممارسة الجنس مقابل الحصول على أجرها، وهي التصريحات التي أنكرها بدوره.
وعلى المستوى الإجرائي، قررت غرفة الجنايات عرض الفيديوهات الموجودة ضمن ملف القضية، إضافة إلى استدعاء عدد من الشهود والاستماع إلى المطالبين بالحق المدني، مع إمكانية إجراء مواجهات بين الأطراف عند الاقتضاء، كما قررت المحكمة ضم الدفوع الشكلية التي تقدم بها دفاع المتهم إلى الموضوع ومواصلة مناقشة الملف، في وقت أكدت فيه النيابة العامة أن جميع مراحل البحث والتحقيق تمت وفق المساطر القانونية المعمول بها.
القضية تحولت مع مرور الجلسات إلى موضوع رأي عام، بالنظر إلى حجم المؤسسة التي يملكها المتهم وعدد المستخدمين الذين اشتغلوا داخل القاعات الرياضية التابعة لها، إضافة إلى طبيعة التهم المتابع بها، والتي تتراوح بين الاتجار بالبشر والتحرش والاستغلال والابتزاز، وهي تهم ثقيلة تنتظر المحكمة حسمها بناء على الشهادات والأدلة والقرائن المعروضة أمامها.
وبين روايات المصرحين وإنكار المتهم، تستمر جلسات المحاكمة في كشف تفاصيل جديدة في كل جلسة، في ملف يبدو معقداً ومتشعباً، حيث ينتظر أن يكون لعرض الفيديوهات والاستماع إلى الشهود دور حاسم في توضيح الصورة أمام المحكمة، التي يبقى بيدها في النهاية تحديد المسؤوليات وترتيب الآثار القانونية، في قضية لم تعد مجرد ملف جنحي عادي، بل تحولت إلى واحدة من أبرز القضايا التي أثارت النقاش حول بيئة العمل وحدود السلطة داخل المؤسسات الخاصة، وحول آليات حماية الأجراء من أي استغلال أو ابتزاز محتمل.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image