لم يعد التوتر المتصاعد داخل الاتحاد العام للشغالين بالمغرب مجرد خلاف تنظيمي محصور في البيت النقابي، بل بدأ يرخي بظلاله الثقيلة على حزب الاستقلال نفسه، باعتبار النقابة إحدى أبرز واجهاته التاريخية والتنظيمية. فمع توالي البلاغات المتبادلة، واتساع دائرة الاتهامات بين مكونات من المكتب التنفيذي وقيادة النقابة، تتشكل ملامح أزمة تتجاوز حدود التدبير الداخلي، لتطرح أسئلة جدية حول كلفة هذا الصراع على صورة الحزب وتماسكه السياسي.
المعطيات المتداولة تفيد بأن الخلاف داخل النقابة بلغ مرحلة متقدمة من الاحتقان، بعدما قاطع عدد من أعضاء المكتب التنفيذي اجتماعا دعا إليه الكاتب العام للنقابة النعم ميارة، مع رفع سقف الانتقادات بشأن طريقة التدبير، وطبيعة اتخاذ القرار، والملفات المرتبطة بمالية النقابة وممتلكاتها. وفي المقابل، ردت القيادة النقابية ببلاغ مضاد اعتبرت فيه أن ما يجري يدخل في إطار حملة للتشويش والضغط وتصفية الحسابات، وهو ما يؤكد أن الأزمة لم تعد مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل تحولت إلى مواجهة مفتوحة داخل جهاز يفترض أنه يشكل سندا تنظيميا وسياسيا للحزب.
خطورة هذا الصراع لا تكمن فقط في حدته، بل في توقيته وانعكاساته المباشرة على حزب الاستقلال، الذي يجد نفسه أمام ارتجاج داخلي يصعب عزله عن صورته العمومية. فالنقابة، بحكم رمزيتها وامتداداتها، ليست إطارا مهنيا منفصلا، بل تمثل عمقا اجتماعيا وسياسيا للحزب، وأي تصدع داخلها ينعكس بالضرورة على توازناته الداخلية وعلى صورته أمام الرأي العام. وعندما يتحول الخلاف إلى تبادل للاتهامات بشأن الشفافية والحكامة والانفراد بالقرار، فإن الضرر لا يتوقف عند حدود النقابة، بل يمتد إلى المصداقية السياسية للحزب الذي ترتبط به تنظيميا وتاريخيا.
كما أن هذا الوضع يضع قيادة حزب الاستقلال في موقع حرج، لأن استمرار الأزمة من دون احتواء حاسم قد يُفهم على أنه عجز عن تدبير الخلافات داخل الفضاءات القريبة منه، أو تساهل مع حالة الانقسام المتنامية داخل إحدى أذرعه الأساسية. وهو ما قد يفتح الباب أمام خصوم الحزب لاستثمار هذا التوتر سياسيا، باعتباره مؤشرا على اختلال في الانسجام الداخلي، وضعف في تدبير التوازنات بين مكوناته.
ومن زاوية أخرى، فإن تصاعد الحديث عن حركة تصحيحية، ومطالب بعقد دورة استثنائية، وإعادة ترتيب المسؤوليات داخل النقابة، يكشف أن الأزمة مرشحة لمزيد من التفاقم، بما قد يفرز استقطابا أوسع داخل محيط الحزب نفسه. ذلك أن الصراع حين يبلغ هذا المستوى داخل تنظيم نقابي مرتبط بحزب سياسي، فإنه لا يبقى معزولا عن الحسابات السياسية، ولا عن توازنات النفوذ، ولا عن رهانات المواقع داخل البنية الحزبية الأوسع.
الأخطر من ذلك أن استمرار هذا المشهد يهدد بإضعاف الخطاب السياسي لحزب الاستقلال في القضايا الاجتماعية والعمالية، لأن أي حزب يستند في جزء من حضوره إلى ذراع نقابية قوية ومنسجمة، سيتأثر حتما عندما تتحول تلك الذراع إلى ساحة صراع داخلي واتهامات متبادلة. وفي هذه الحالة، لا تتضرر فقط صورة التنظيم النقابي، بل يتراجع أيضا منسوب الثقة في قدرة الحزب على تقديم نفسه كفاعل منظم ومتماسك وقادر على تدبير خلافاته بمؤسساتية.
وفي المحصلة، تبدو أزمة الاتحاد العام للشغالين بالمغرب اليوم أكبر من مجرد خلاف نقابي عابر، لأنها تضع حزب الاستقلال أمام امتحان سياسي وتنظيمي حقيقي. فإما أن ينجح في تطويق ارتدادات هذا الصراع وإعادة ضبط التوازن داخل واجهته النقابية، وإما أن يترك الأزمة تتسع بما يحولها إلى نقطة ضعف سياسية تستنزف رصيده وتكشف هشاشة التماسك داخل أحد أهم امتداداته التنظيمية.








تعليقات
0