ليس منطقياً، ولا مقبولاً، ولا يمكن تبريره بأي حساب اقتصادي سليم، أن ترتفع أسعار المحروقات بثلاثة دراهم، فتقفز أسعار الخضر بخمسة دراهم في الكيلوغرام، وتشتعل أسعار اللحوم بأزيد من عشرة دراهم، ويُلحق الدجاج الحي بدوره زيادات تفوق أربعة دراهم.
ما يقع ليس مجرد انعكاس طبيعي لتكاليف النقل، بل أقرب إلى انفلات حقيقي في الأسعار، يدفع ثمنه المواطن وحده.
نعم، للمحروقات أثر مباشر على كلفة النقل والإنتاج، لكن هذا الأثر يظل محدوداً في بنيته، ولا يمكن أن يفسر هذه القفزات الحادة. فالنقل ليس سوى حلقة ضمن سلسلة طويلة، وليس المحدد الوحيد للسعر النهائي. حين تتضخم الزيادات بهذا الشكل، فذلك يعني أن هناك من يستغل الظرف، ويحول كل ارتفاع طفيف إلى فرصة لرفع الأسعار بشكل مبالغ فيه.
المشكلة الأعمق تكمن في تعدد الوسطاء، حيث تنتقل السلع من يد إلى أخرى، وكل حلقة تضيف هامش ربح جديداً، إلى أن يصل المنتج إلى المستهلك بثمن مضاعف. في هذا المسار الطويل، يضيع أي منطق اقتصادي، ويصبح السعر النهائي نتاجاً لتراكم الأرباح، لا لتكلفة الإنتاج الحقيقية.
ثم هناك عقلية سائدة في السوق: “ارتفعت المحروقات، إذن نرفع كل شيء”. منطق بسيط في ظاهره، لكنه خطير في نتائجه. إنه يفتح الباب أمام زيادات لا علاقة لها بالكلفة، بل ترتبط فقط باستباق الربح وتعويضه بشكل مفرط. وهنا تتحول السوق من فضاء للتوازن إلى مجال للفوضى.
ولا يمكن إغفال ضعف آليات المراقبة، حيث تغيب المتابعة الدقيقة لمسار الأسعار، ولا يتم ضبط هوامش الربح بشكل يضمن الحد الأدنى من العدالة. في غياب هذا الدور، تصبح السوق مفتوحة أمام كل أشكال الاستغلال، ويجد المواطن نفسه في مواجهة أسعار تتغير دون تفسير واضح.
صحيح أن هناك عوامل أخرى تضغط على الأسعار، مثل الجفاف وارتفاع كلفة الأعلاف، لكن حتى هذه العوامل لا تبرر القفزات المسجلة. ما يحدث اليوم يتجاوز تأثير الظروف الموضوعية، ويدخل في نطاق المبالغة في التسعير.
في النهاية، المسألة ليست مجرد أرقام ترتفع وتنخفض، بل قضية تمس القدرة الشرائية للمغاربة بشكل مباشر. حين تصبح الزيادات أكبر من أسبابها، فهذا يعني أن الخلل ليس في السوق فقط، بل في طريقة تدبيرها. والمواطن، في كل ذلك، يظل الحلقة الأضعف، يدفع أكثر مما يجب، ويُطالب بالصبر أكثر مما يحتمل.








تعليقات
0