بقلم: إسماعيل المرسلي
لم يعد الحديث عن الشباب كـ “قوة اقتراحية” مجرد ترف فكري أو شعار تجميلي يرفع في المحافل والمناسات، بل أضحى ضرورة بنيوية وحتمية تاريخية يفرضها سياق عالمي يتسم بالرقمنة والتحولات السوسيو-سياسية المتسارعة. إن الرهان اليوم يتجاوز مجرد إشراك الشباب في العملية الانتخابية، ليصل إلى جعلهم “الرافعة” الأساسية لبناء مستقبل سياسي متقدم، يقطع مع الرتابة ويؤسس لعهد الكفاءة والابتكار.
- الرقمنة.. محرك التغيير الجديد :
في ظل “الافتراض” الذي بات يوجه “الواقع”، يمتلك الشباب اليوم سلاحاً لم تملكه الأجيال السابقة؛ وهو التمكن الرقمي. هذا التمكن ليس مجرد مهارة تقنية، بل هو فلسفة جديدة في التواصل السياسي، حيث تساهم منصات التواصل الاجتماعي وأدوات الذكاء الاصطناعي في خلق فضاء عمومي موازٍ، يكسر احتكار المعلومة ويفرض الشفافية كمعيار أساسي للممارسة السياسية. الشباب هنا ليسوا مجرد مستهلكين للمحتوى، بل هم “صناع رأي” قادرون على تعبئة الجماهير حول قضايا حيوية، من التنمية المحلية إلى العدالة الاجتماعية.
- من المشاركة الصورية إلى القيادة الفعلية :
إن الانتقال نحو مشهد سياسي متقدم يتطلب شجاعة في تجديد النخب. لا يمكن بناء “مستقبل” بأدوات “الماضي” وحدها؛ لذا فإن المطلوب هو الانتقال من منطق “الكوطا” أو حضور الشباب لتزيين اللوائح، إلى تمكينهم من مراكز القرار داخل الأحزاب والمؤسسات الدستورية. هذا التمكين يجب أن يترافق مع “تكوين أكاديمي وميداني” رصين، يزاوج بين حماس الشباب وحكمة الخبرة، ويحول الطاقات الإبداعية إلى مشاريع سياسية قابلة للتنفيذ على أرض الواقع.
- التحديات: الوعي كأداة للمواجهة:
رغم التفاؤل، تظل هناك تحديات قائمة، أبرزها “العزوف السياسي” الناتج عن فجوة الثقة. وتجاوز هذا التحدي لا يكون بالوعود، بل بإبداع خطاب سياسي جديد يلامس لغة العصر وهموم الشباب الحقيقية، خاصة في مجالات التعليم الرقمي، الحقوق الاقتصادية، والبحث العلمي. إن ربط الجامعة بالمحيط السياسي والمدني يعد المدخل الأساسي لصناعة “فاعل سياسي” واعٍ بحقوقه وواجباته، وقادر على الدفاع عن الهوية الوطنية في ظل العولمة الجارفة.
- خلاصة القول :
إن الشباب هم الرافعة التي ستحرك ركود المياه السياسية، شرط أن تتوفر الإرادة الجماعية لفتح الأبواب أمامهم. المستقبل ليس ما سيحدث، بل هو ما نصنعه اليوم عبر إعطاء الثقة لمن يملكون الطاقة، الرؤية، والقدرة على الابتكار. فالمستقبل السياسي المتقدم يبدأ بالاعتراف بأن الشباب ليسوا “مشكلة” تحتاج لحل، بل هم “الحل” الذي طال انتظاره.








تعليقات
0