الحكومة ترفع الراية البيضاء في مواجهة الشناقة وأصحاب اللعاقة …

Media الأربعاء 20 مايو 2026 - 12:34 l عدد الزيارات : 99083

 حين تترك الأسواق لمن يجيدون افتراسها…

في بلد يفترض أن تكون فيه الدولة هي صاحبة القرار، صار المواطن يتابع مشهدا عبثيا عنوانه الأبرز: الأسعار ترتفع، والقدرة الشرائية تنهار، والوسطاء والسماسرة والمضاربون يواصلون العبث بالسوق من دون خوف ولا رادع.
الأخطر من ذلك أن الإحساس العام الذي يتمدد يوما بعد يوم هو أن الحكومة نفسها لم تعد تواجه هذه الفوضى بما يكفي من الحزم، بل بدت في كثير من الأحيان وكأنها ترفع الراية البيضاء أمام الشناقة وأصحاب “اللعاقة” الذين حولوا معيش الناس إلى سوق مفتوحة للجشع.

المشكلة اليوم لم تعد فقط في غلاء الأسعار، بل في الإحساس الجماعي بانفلات حقيقي في منظومة المراقبة والزجر والحماية. فحين ترتفع أسعار مواد أساسية من دون مبرر مقنع، وحين تقفز الأثمان بين ليلة وضحاها من سوق إلى آخر ومن مدينة إلى أخرى، وحين يصبح التلاعب في الأقوات أمرا عاديا يتكرر في كل مناسبة وكل أزمة، فإن السؤال لم يعد: لماذا ترتفع الأسعار؟ بل: أين هي الدولة؟ وأين هو أثر أجهزتها الرقابية؟ وأين هو منطق الردع الذي يفترض أن يحمي السوق والمستهلك معا؟

لقد أصبح واضحا أن فئة من المضاربين لا تتحرك داخل هامش الفوضى فقط، بل تستفيد منها وتراكم الأرباح فوق أوجاع الناس. هؤلاء لا ينتجون شيئا، ولا يضيفون قيمة حقيقية للاقتصاد، لكنهم يتقنون شيئا واحدا: اقتناص لحظات الارتباك، وتخزين السلع، وتوجيه السوق، ورفع الأسعار، ثم الاختباء وراء أعذار جاهزة تتغير حسب المناسبة. مرة باسم الجفاف، ومرة باسم المحروقات، ومرة باسم النقل، ومرة باسم التوترات الدولية. وفي كل مرة، يكون المواطن هو الحلقة الأضعف، وهو الذي يؤدي الفاتورة كاملة من لقمة عيشه ومن كرامته اليومية.

المؤلم في هذا كله أن الدولة تعرف، والمواطن يعرف أنها تعرف، والفاعلون في السوق يعرفون أنها تعرف. تعرف مسالك التوزيع المختلة، وتعرف حلقات المضاربة، وتعرف من يلهب الأسعار بلا موجب، وتعرف أن هوامش الربح في حالات كثيرة تجاوزت كل منطق معقول. لكن ما لا يفهمه المغاربة هو كيف تتحول هذه المعرفة إلى مجرد تصريحات، بدل أن تتحول إلى قرارات صارمة، ومتابعات واضحة، وعقوبات تردع من استباحوا جيوب الأسر المغربية.

لا يمكن إقناع الناس بخطاب الطمأنة في وقت يواجهون فيه الحقيقة الصلبة كل صباح داخل الأسواق.
لا يمكن الحديث عن حماية القدرة الشرائية بينما الأسواق تسير بمنطق “خليها تفوت”، ولا يمكن إقناع الرأي العام بأن الدولة ممسكة بزمام الأمور، في وقت صار فيه الشناق أقوى حضورا من المراقب، وأسرع تأثيرا من القرار الإداري، وأكثر نفوذا على الأثمان من كل البلاغات الرسمية.

إن أخطر ما قد تصل إليه أي دولة ليس فقط عجزها عن خفض الأسعار، بل فقدانها صورة الهيبة الاقتصادية أمام المواطنين. حين يقتنع الناس بأن الشناق هو الذي يقرر، وأن المضارب هو الذي يتحكم، وأن “أصحاب اللعاقة” هم الذين يملون قواعد اللعبة، فذلك يعني أن الثقة في المؤسسات تبدأ في التآكل، وأن الشعور بالحماية ينهار، وأن الإحباط يتحول إلى قناعة جماعية بأن المواطن متروك وحده في مواجهة سوق متوحشة.

المغاربة لا ينتظرون المعجزات، لكنهم ينتظرون شيئا بسيطا وواضحا: أن يشعروا بأن هناك حكومة تحميهم فعلا، لا حكومة تكتفي بتوصيف الأزمة.
ينتظرون أن يروا قرارات ميدانية لا تعليقات، وزجرا لا تبريرا، ومراقبة لا فرجة. لأن بقاء الوضع على ما هو عليه معناه تكريس منطق خطير: من يختزن ويربح ويناور ينتصر، ومن يشتغل ويستهلك ويصبر يدفع الثمن.

وعندما تصل الحكومة إلى لحظة تبدو فيها مترددة أمام لوبيات المضاربة، فإن الرسالة التي تصل إلى الشارع تكون قاسية جدا: القانون صار ضعيفا حين يتعلق الأمر بأقوات الناس، والصرامة صارت انتقائية، والسوق تُترك لمن يجيدون افتراسها. وهذا بالضبط ما يجعل عنوان المرحلة أكثر إيلاما من أي وقت مضى: ليست الأسعار وحدها من ارتفعت، بل ارتفع معها منسوب الشعور بأن الدولة تراجعت خطوة إلى الخلف، وتركت المواطن في الواجهة وحده.

معركة الأسعار ليست تقنية فقط، بل هي معركة سيادة وعدالة وثقة. والدولة التي لا تنتصر فيها للمستهلك، تترك المجال مفتوحا أمام من يراكمون الثروات من معاناة الناس. وحين يحدث ذلك، يصبح السؤال مشروعا ومؤلما في الآن نفسه: هل ما زالت الدولة تقاوم فعلا، أم أنها رفعت الراية البيضاء في وجه الشناقة وأصحاب اللعاقة؟

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image