في تقديم حصيلتها.. الحكومة تبيع الوهم بانتقاء الأرقام

Media الخميس 16 أبريل 2026 - 12:44 l عدد الزيارات : 50550

حين اختار رئيس الحكومة أن يقدم حصيلة الولاية 2021-2026 بلغة الأرقام، بدا واضحا أنه يريد منح خطابه سلطة الإقناع التي توفرها المؤشرات والإحصائيات.  غير أنه بالتدقيق والتمعن في الوثيقة الحكومية نفسها، والتي تريد الحكومة تقديمها كحصيلة مشرفة لعملها، تكشف أن جزءا مهما من هذه “الحصيلة” لا يتعلق دائما بمنجزات اقتصادية واجتماعية تحققت فعليا على الأرض، بقدر ما يتعلق أحيانا بمشاريع تمت المصادقة عليها، أو بتوقعات مستقبلية، أو بمؤشرات تُقدَّم في صيغة تجميعية تخدم الرواية السياسية أكثر مما تخدم التقييم الموضوعي.

في ملف الاستثمار مثلا، يقدم العرض الحكومي رقما لافتا يتمثل في مصادقة اللجنة الوطنية للاستثمارات على 381 مشروعا بقيمة إجمالية تصل إلى 581 مليار درهم، مع وعود بإحداث 245 ألف منصب شغل مباشر وغير مباشر، كما يتحدث عن 297 مشروعا منذ دخول ميثاق الاستثمار الجديد حيز التنفيذ بقيمة 513 مليار درهم يمكن أن تساهم في إحداث 201 ألف منصب شغل. غير أن هذا النوع من الأرقام، على أهميته، لا يساوي تلقائيا نتائج اقتصادية منجزة، لأنه يتعلق أساسا بمشاريع مصادق عليها أو في طور التنفيذ، وليس بحصيلة فعلية مكتملة الأثر في النسيج الاقتصادي والاجتماعي.

وهنا تحديدا تظهر المسافة بين الخطاب الحكومي والمعطيات الصادرة عن المؤسسات العمومية المستقلة. فالمندوبية السامية للتخطيط تؤكد أن الاقتصاد الوطني أحدث 193 ألف منصب شغل فقط خلال سنة 2025، بعد 82 ألفا في 2024، مع استمرار معدل البطالة عند مستوى مرتفع بلغ 13 في المائة. 

معنى ذلك أن الحكومة تتحدث بلغة “المناصب الموعودة” و”الأثر المرتقب”، بينما تتحدث المؤسسة الإحصائية الرسمية بلغة سوق الشغل الفعلي، وهي لغة أقل احتفالا وأكثر صرامة.

 وبعبارة أوضح، فإن الفارق كبير بين الإعلان عن مئات الآلاف من المناصب المرتبطة بمشاريع استثمارية، وبين واقع التشغيل الذي ما يزال عاجزا عن خفض البطالة بما يتناسب مع الوعود المرفوعة منذ بداية الولاية.

الأمر نفسه ينسحب على النمو الاقتصادي. الحكومة تبني سرديتها على فكرة أن المغرب واصل الصمود وحقق تعافيا اقتصاديا يؤكد نجاح اختياراتها، بينما المندوبية السامية للتخطيط تتوقع نموا في حدود 5 في المائة سنة 2026، وبنك المغرب قدّر نمو الاقتصاد في الفصل الأول من السنة نفسها بنحو 4,9 في المائة. 

هذه الأرقام تمنح الحكومة بعض السند في الحديث عن تحسن نسبي، لكن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي يضع هذا التحسن في حجمه الحقيقي مع التأكيد الصريح على أن هذا الأداء يظل دون الطموحات وغير كاف لإطلاق دينامية صعود مستدامة تسمح للمغرب بالارتقاء إلى مستوى أعلى من النمو والإدماج الاجتماعي. 

هنا تسقط أولى المبالغات: نعم، هناك تحسن، لكن لا وجود لنهضة اقتصادية بالمعنى الذي يريد الخطاب الحكومي تسويقه.

وفي باب الاستثمار الأجنبي المباشر، يبدو أن الحكومة تستند إلى مؤشر فعلي أكثر صلابة، إذ تشير إلى ارتفاع المداخيل من 32,5 مليار درهم سنة 2021 إلى نحو 56 مليار درهم سنة 2025.

 وهذا المعطى يجد ما يدعمه في مؤشرات بنك المغرب ومكتب الصرف، ما يعني أن جاذبية المغرب الاستثمارية تحسنت بالفعل خلال الولاية.

 لكن حتى هنا لا تكتمل الرواية الحكومية؛ لأن ارتفاع تدفقات الاستثمار الأجنبي لا يعني تلقائيا أن أثرها الاجتماعي كان في مستوى الانتظارات، ولا يعني أن الاقتصاد الوطني تخلص من أعطابه البنيوية، وعلى رأسها ضعف خلق فرص الشغل الكافية، وتباطؤ الأثر المباشر للاستثمار على معيش المواطنين. فالرقم هنا صحيح في ذاته، لكنه يتحول داخل الخطاب الحكومي إلى عنوان شامل على النجاح، بينما هو في الحقيقة مجرد جزء من صورة أكثر تعقيدا.

أما حين تتحدث الحكومة عن ارتفاع الاستثمار العمومي من 230 مليار درهم سنة 2021 إلى حوالي 380 مليار درهم سنة 2026، فهي تسعى إلى تثبيت صورة الدولة المنخرطة بقوة في دفع العجلة الاقتصادية. 

غير أن التقييم المستقل يطرح سؤال النجاعة قبل سؤال الحجم. فالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي لا ينفي أهمية المجهود الاستثماري، لكنه يربط فعالية النمو بقدرته على التحول إلى دينامية مستدامة وشاملة. وهذا بالضبط هو المأزق الذي لا يجيب عنه العرض الحكومي بوضوح: كيف يمكن تبرير استمرار البطالة المرتفعة واتساع الإحساس الاجتماعي بالضغط المعيشي، في وقت تؤكد فيه الحكومة أنها رفعت الاستثمار العمومي بهذا الحجم؟ إن المعارضة، وهي تقر بوجود مجهود مالي ومؤسساتي، ترى أن الإشكال الحقيقي ليس في تضخيم أرقام الاعتمادات، بل في ضعف مردودها الاجتماعي والاقتصادي على حياة الناس.

وفي ما يتعلق بالصادرات الصناعية، تتحدث الحكومة عن ارتفاع بنسبة 44,5 في المائة إلى 408 مليارات درهم خلال الفترة 2021-2025، وهو معطى ينسجم مع استمرار دينامية عدد من المهن العالمية للمغرب. لكن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، وهو يقرأ الأداء الاقتصادي لسنة 2024، يربط هذا التحسن أيضا بحدوده الموضوعية، مبرزا أن دينامية التصدير تظل بحاجة إلى ترسيخ أكبر في القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، وإلى مجهود أوضح في البحث والتطوير والابتكار. من هنا، فإن المعارضة لا تحتاج إلى نفي الأرقام حتى تنتقد الحكومة؛ يكفي أن تشير إلى أن ارتفاع الصادرات لم يتحول بعد إلى طفرة اجتماعية، ولم يترجم إلى انعكاس ملموس بالقدر الكافي على الشغل والدخل وتقليص الهشاشة.

ثم تأتي القدرة الشرائية لتكشف أوسع فجوة بين البلاغة الحكومية والواقع المعيش. فالحكومة تبرز ما تحملته الدولة عبر صندوق المقاصة، وتتحدث عن زيادات في الأجور بتكلفة إجمالية تناهز 46 مليار درهم في أفق 2026، وتقدم ذلك كجزء من حصيلتها الاجتماعية. لكن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي سبق أن نبه إلى أن الصدمة التضخمية التي عرفها المغرب كان لها أثر عميق على الأسر وعلى قدرتها الشرائية، حتى وإن عاد التضخم لاحقا إلى مستويات أضعف. كما أن بنك المغرب يبين أن التضخم بلغ في المتوسط 0,8 في المائة سنة 2025، وهو تراجع مهم مقارنة بمرحلة الذروة، لكنه لا يمحو الأثر التراكمي للغلاء الذي استنزف مداخيل فئات واسعة خلال السنوات الماضية. لذلك فالمشكلة ليست فقط في مستوى التضخم السنوي الحالي، بل في كون المواطنين لا يقيسون السياسات بالمؤشرات التقنية وحدها، بل بما بقي في جيوبهم آخر الشهر.

أما مجلس المنافسة، فيقدم بدوره ما يكفي لإحراج الرواية الرسمية المبسطة حول الأسعار والأسواق. فتقاريره حول بعض سلاسل التوزيع والأسواق المعنية بالمواد الأساسية تؤكد أن بنية المنافسة وهوامش الربح ومسالك التوزيع تطرح إشكالات فعلية ومعقدة، وأن تفسير تطور الأسعار لا يمكن اختزاله في مبررات سياسية جاهزة. وهذا يعني أن الحكومة، بدل أن تواجه الأعطاب البنيوية للأسواق بجرأة أكبر، فضلت في محطات كثيرة الاكتفاء بإدارة وقع الأزمة اجتماعيا وإعلاميا، من دون أن تقدم دائما إصلاحات تنافسية عميقة تعيد التوازن الحقيقي إلى السوق وتحمي المستهلك على المدى الطويل.

خلاصة القول إن عرض رئيس الحكومة لا يخلو من مؤشرات حقيقية يمكن تسجيلها، خاصة في ما يتعلق بتحسن تدفقات الاستثمار الأجنبي وبعض مؤشرات النمو والاستثمار. لكن قراءة هذه الأرقام على ضوء تقارير المندوبية السامية للتخطيط وبنك المغرب والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي ومجلس المنافسة تكشف بوضوح أن الحصيلة المقدمة أقرب إلى عملية انتقاء سياسي للأرقام منها إلى تقييم شامل ومحايد للولاية. فحين تضع المعارضة هذه المعطيات جنبا إلى جنب، يتضح أن الحكومة تبني خطابها على الأرقام الأكثر لمعانا، وتتجنب الأرقام الأكثر إزعاجا: بطالة ما تزال مرتفعة، نمو لم يبلغ بعد مستوى الإقلاع الحقيقي، وقدرة شرائية لم تستعد عافيتها بالكامل، وسوق ما تزال في حاجة إلى إصلاحات أعمق وأكثر عدلا. وبذلك، فإن السؤال لم يعد: هل لدى الحكومة أرقام؟ بل أصبح: هل تملك هذه الأرقام فعلا المعنى الذي تريد بيعه للرأي العام؟ الجواب، وفق المؤسسات الرسمية نفسها، هو أن الصورة أقل وردية بكثير مما يقدمه العرض الحكومي

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image