ما الذي يعنيه أن يرتفع مؤشر ثقة الأسر إلى 64,4 نقطة، بينما تقول الأرقام نفسها إن 75,1 في المائة من الأسر صرحت بتدهور مستوى المعيشة خلال الاثني عشر شهرا الماضية؟ وما معنى الحديث عن “تحسن” في المزاج العام، في وقت تؤكد فيه 93,3 في المائة من الأسر أن أسعار المواد الغذائية ارتفعت، وتنتظر 78,9 في المائة منها استمرار هذا الارتفاع خلال السنة المقبلة؟ هنا بالضبط تبدأ المشكلة: حين تتحول بعض المؤشرات إلى مادة للاحتفال السياسي، بينما يظل الواقع اليومي للمواطن أكثر قسوة من أي خطاب مطمئن.
المذكرة الأخيرة للمندوبية السامية للتخطيط لا تقول إن الأسر المغربية استعادت عافيتها، ولا تقول إن القدرة الشرائية عادت إلى مسارها الطبيعي، ولا تعلن نهاية الأزمة الاجتماعية. كل ما تقوله، بلغة الأرقام الصريحة، هو أن التشاؤم أصبح أقل حدة مما كان عليه في فصول سابقة. وهذا فرق كبير. لأن تراجع التشاؤم لا يعني بالضرورة تحسن الأحوال، تماما كما أن انخفاض منسوب الخوف لا يعني زوال الخطر. لذلك، فإن أي قراءة انتقائية لهذه المذكرة خارج سياقها الكامل ليست سوى محاولة لتجميل واقع لا يزال مثقلا بالغلاء والضغط المالي والقلق الاجتماعي.
الأسر، في جوهر هذه المذكرة، لا تتحدث عن رخاء. هي تتحدث عن تعب مزمن. 59,9 في المائة من الأسر تقول إن مداخيلها تغطي المصاريف، لكن 37,5 في المائة تستنزف مدخراتها أو تلجأ إلى الاقتراض، فيما لا تتجاوز نسبة الأسر القادرة على ادخار جزء من دخلها 2,5 في المائة. أي إن الادخار، الذي يفترض أن يكون علامة اطمئنان واحتياط للمستقبل، صار استثناء شبه منعدم. أما القدرة على الادخار خلال الأشهر المقبلة، فقد ظل رصيدها في مستوى سلبي حاد عند ناقص 75,7 نقطة. هذا ليس مجرد معطى إحصائي بارد، بل وصف دقيق لأسر تعيش يوما بيوم، وتدبر حاجاتها تحت ضغط مستمر، وتخشى أي طارئ قد يربك توازنها الهش.
ثم إن أكثر ما يفضح هشاشة هذا “التحسن” هو أن المؤشرات الأساسية كلها تقريبا ما زالت في المنطقة السلبية. رصيد تطور مستوى المعيشة خلال الاثني عشر شهرا الماضية استقر عند ناقص 69,3 نقطة، وآفاقه المستقبلية بقيت بدورها سلبية في ناقص 28,8 نقطة، كما ظل تقييم الظروف الملائمة لاقتناء السلع المستديمة في ناقص 51 نقطة. حتى حين يتحسن المؤشر، فإنه يتحسن داخل المجال السلبي، لا خارجه. وهذه حقيقة ينبغي أن تقال بوضوح: نحن لا نتابع انتقالا من الأزمة إلى الانفراج، بل نتابع انتقالا من السوء الشديد إلى السوء الأقل.
المقلق أكثر أن الغذاء، وهو جوهر الإنفاق اليومي للأسر، ما يزال في قلب الأزمة. حين تصرح الغالبية الساحقة من الأسر بأن أسعار المواد الغذائية ارتفعت، وتنتظر استمرار هذا المنحى، فإن ذلك يعني أن الضغط لم يعد ظرفيا، بل صار شعورا مستقرا وممتدا. وهذا ما يجعل أي حديث عن انفراج اقتصادي عاما ومجردا حديثا منفصلا عن المطبخ، وعن السوق، وعن كلفة المعيشة الحقيقية. فالاقتصاد ليس ما يكتب في البلاغات فقط، بل ما يشعر به الناس عند شراء الخبز والخضر واللحوم والزيت، وعند أداء الفواتير، وعند مواجهة مصاريف الدراسة والعلاج والتنقل.
لهذا، فإن القراءة المسؤولة لهذه المذكرة لا ينبغي أن تنشغل بزخرفة الأرقام، بل بطرح السؤال الأهم: كيف يمكن لاقتصاد يعلن تحسن الثقة أن يعجز في المقابل عن منح الأسر الحد الأدنى من الأمان المعيشي؟ لأن المؤشر، مهما ارتفع، لا يملأ مائدة، ولا يسدد فاتورة، ولا يعوض أسرة عن مدخرات استنزفتها لمواجهة شهر إضافي من الغلاء. وما تقوله مذكرة المندوبية، بوضوح شديد، هو أن بداية 2026 لم تحمل للأسر المغربية انفراجا حقيقيا، بل كرست شعورا جماعيا بأن الحياة أصبحت أثقل، وأن الادخار صار ترفا، وأن النجاة من الشهر باتت في حد ذاتها إنجازا يوميا شاقا.








تعليقات
0