إصدار جديد لأسامة باجي يرسم ملامح تجويد الكتابة الصحفية ويفكك خبايا صناعة الخبر في عصر الرقمنة

baidi الثلاثاء 21 أبريل 2026 - 13:10 l عدد الزيارات : 45483

أحمد بيضي

تعزز المشهد الإعلامي المغربي بإصدار مهني جديد يحمل توقيع الإعلامي والباحث في مجال الإعلام، أسامة باجي، بعنوان “الدليل المهني لكتابة الصحفية: مدخل إلى صناعة الخبر”، وهو عمل لا يكتفي بتقديم مادة نظرية حول فنون الكتابة الصحفية، بل ينخرط في دينامية التكوين والتأطير، مستحضرا التحولات العميقة التي يشهدها الحقل الإعلامي في زمن الرقمنة وتسارع تدفق المعلومات، ويعكس هذا الإصدار مسارا يجمع بين التراكم الأكاديمي والخبرة الميدانية، واضعا نصب عينيه المساهمة في تجويد الممارسة الصحفية وتعزيز مهنيتها، وترسيخ وعي نقدي بالممارسة الصحفية بما يجعلها فاعلا أساسيا في صناعة الرأي العام.

ويأتي الكتاب ثمرة تجربة تكوينية تطبيقية انبثقت عن برنامج “مبادرة المغرب الرقمي”، الذي تم تنزيله بجهة بني ملال خنيفرة، تحت إشراف “مؤسسة الأثر الجماعي للشباب”، في سياق جهود تروم تأهيل الشباب وطلبة الإعلام والصحفيين الناشئين وصناع المحتوى الرقمي، وقد ارتكز هذا المسار على مقاربة بيداغوجية تجمع بين التأطير النظري والممارسة العملية، من خلال ورشات تكوينية حضورية وعن بعد أشرف عليها المؤلف، وغطت مجالات أساسية في الكتابة الصحفية، من قبيل بناء الخبر، وتقنيات التحرير، وصياغة العناوين، وآليات التحقق من المعلومات، إلى جانب استحضار قواعد أخلاقيات المهنة.

ويبرز الطابع العملي لهذا الدليل في اعتماده منهجية تشخيصية قائمة على تقييم قبلي وبعدي لمستوى المستفيدين، ما أتاح تكييف المضامين التكوينية مع حاجياتهم الفعلية، كما يضع الدليل بين يدي الممارسين والمهتمين حزمة من الأدوات الأساسية للتحرير الصحفي، مدعومة بأمثلة تطبيقية وتمارين عملية تتيح التعلم الذاتي، مع تركيز خاص على مهارات الكتابة للإعلام الرقمي وكيفية إنتاج محتوى مهني يستجيب لخصوصيات المنصات الحديثة، ضمن السياق المغربي، كما ينطلق من تصور يعتبر الكتابة الصحفية ممارسة معرفية ومهنية محورية في المجتمع، تتجاوز مجرد نقل الوقائع إلى الإسهام في تفسيرها وبناء وعي الجمهور بها.

في معالجته لمفهوم الخبر الصحفي، يبرز الكتاب أن إنتاج الخبر لا يتم بشكل عفوي، بل يمر عبر سلسلة من المراحل المهنية الدقيقة، تبدأ برصد الوقائع وجمع المعطيات، مرورا بانتقائها وفق القيم الخبرية، ثم إخضاعها لعمليات الفرز والتدقيق، قبل بلوغ مرحلة التحرير والصياغة النهائية، وبهذا المعنى، يؤكد الدليل أن الخبر ليس انعكاسا محايدا للواقع، وإنما هو بناء مهني ومعرفي يعكس اختيارات الصحفي التحريرية ويخضع لمعايير دقيقة تؤطره، وفي هذا السياق، يستحضر العمل العناصر البنيوية الأساسية للخبر، ممثلة في الأسئلة الستة: من، ماذا، متى، أين، لماذا، وكيف، باعتبارها قاعدة منهجية تضمن تماسك النص الإخباري وشموليته.

ويولي المؤلف بالتالي عناية خاصة للغة التحرير الصحفي، معتبرا إياها حجر الزاوية في جودة العمل الإعلامي، حيث تقوم على ثلاث دعائم رئيسية: الدقة، والإيجاز، والوضوح، ومن هذا المنطلق، يدعو إلى القطع مع الأساليب الإنشائية والانطباعية، وتعويضها بلغة موضوعية تستند إلى المعطيات الموثوقة، بما يتيح للقارئ بناء موقفه الخاص استنادا إلى معلومات دقيقة ومنظمة، كما يوضح الفوارق الجوهرية بين النص الأدبي والنص الصحفي، مبرزا أن هذا الأخير مطالب بالابتعاد عن الذاتية والانفعال، وفي امتداد لهذه الرؤية، يتوقف الدليل عند فن العنونة باعتباره عنصراً مركزياً في جذب انتباه القارئ وتوجيه فهمه للمحتوى، دون السقوط في فخ الإثارة المجانية أو التضليل.

كما يخصص العمل حيزا مهما لكتابة التقارير الصحفية القائمة على الدراسات والمصادر، مشددا على ضرورة امتلاك الصحفي مهارات تحليل المعطيات المعقدة وتبسيطها، بما يسمح بتحويل المعرفة المتخصصة إلى مادة إعلامية مفهومة وقابلة للتداول، ويتطلب هذا النمط من الكتابة قدرة على انتقاء المعلومات ذات الصلة، وربطها بسياقها العام، وتقديمها بلغة دقيقة دون الإخلال بعمقها العلمي، كما يشدد الدليل على أهمية احترام التسلسل المنطقي في تقديم الأفكار، بما يضمن بناء نص متماسك يجمع بين الإخبار والتفسير، مدعوماً بنماذج تطبيقية تبرز كيفية تحويل موضوعات عامة إلى مواد صحفية تستجيب لمعايير المهنة.

ولا يغفل الكتاب البعد النقدي للممارسة الصحفية، إذ يستحضر تصورات نظرية تربط الإعلام بإنتاج المعرفة وبموازين السلطة داخل الفضاء العمومي، ومن هذا المنطلق، يدعو إلى ترسيخ وعي نقدي لدى الصحفي يجعله مدركا لدوره في صناعة المعنى، بدل الاكتفاء بوظيفة النقل، وفي ضوء هذه المقاربة، يتم اختيار الوقائع الأكثر ارتباطا باهتمامات المجتمع، وصياغتها وفق توازن دقيق بين الموضوعية والدقة من جهة، والإيجاز والوضوح من جهة أخرى، كما يندرج هذا الطرح ضمن خصوصية السياق المغربي، الذي يعرف تنوعا في أشكال الممارسة الإعلامية بين الصحافة الورقية والرقمية ومنصات التواصل.

ووارتباطا بالموضوع، يشرح “الدليل المهني لكتابة الصحفية: مدخل إلى صناعة الخبر”، لأسامة باجي، كيف تتجاوز الكتابة الصحفية عموما مجرد نقل الأحداث إلى تحليلها وتفسيرها وربطها بسياقاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يستدعي إلماما بالسياسات العمومية والقوانين والمؤشرات المختلفة، إلى جانب فهم عميق لتحولات المجتمع، وفي هذا الإطار، يقدم هذا الإصدار نفسه كأرضية تأسيسية موجهة لطلبة الصحافة والصحفيين المبتدئين، من أجل استيعاب العلاقة بين التأطير النظري ومتطلبات الممارسة المهنية، في أفق الارتقاء بجودة المنتج الإعلامي وتعزيز مصداقيته.

وفي تقديم علمي وازن، يفتتح أستاذ الإعلام والتواصل بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الأول بوجدة، ومنسق ماستر الصحافة والإعلام الرقمي، د. هشام كزوط، هذا الإصدار بقراءة تأطيرية تضعه ضمن أفق نقدي يتجاوز المقاربة التقنية للخبر، نحو تفكيك آليات إنتاجه داخل الحقل الإعلامي، مؤكدا أن الدليل ينخرط في تصور يعتبر الخبر سيرورة مركبة، تتداخل فيها عمليات الانتقاء والتأطير، في تقاطع واضح مع أطروحات بيير بورديو الذي نظر إلى الحقل الإعلامي باعتباره مجالا تحكمه رهانات ورؤوس أموال رمزية تؤثر في ما  يعد جديرا بالنشر، حيث تتحول القيم الخبرية من مجرد معايير تقنية إلى آليات فرز مرتبطة ببنيات اجتماعية أوسع.

وفي السياق ذاته، يستحضر د. كزوط تصور والتر ليبمان، الذي اعتبر أن الأخبار لا تعكس الواقع كما هو، بل تقدم صورا ذهنية عنه، وهو ما يعيد طرح إشكالية الموضوعية داخل العمل الصحفي، وبهذا المعنى، لا تظهر الموضوعية كحقيقة مطلقة، بل كأفق تنظيمي يقتضي وعيا مستمرا بحدود الإدراك وبشروط إنتاج المعنى داخل النص الإعلامي، وينطلق هذا العمل، يضيف كزوط، من تجربة مهنية ومعرفية متراكمة، تتجلى في بناء محاوره واختياراته المنهجية، حيث يحيل الجمع بين مفهومي “الدليل المهني” و”الصناعة الصحفية” إلى تحول الصحافة من ممارسة عفوية إلى نسق إنتاجي مؤطر بقواعد ومعايير دقيقة.

في المقابل، تفتح عبارة “مدخل إلى صناعة الخبر” أفقا إبستمولوجيا يجعل من الخبر موضوعا للتفكير والتحليل، في انسجام مع تصور ليبمان الذي يرى فيه بناء ذهنيا يعكس تمثلات الواقع لا الواقع ذاته، وبذلك يحقق العنوان توازنا لافتا بين البعد الإجرائي والبعد التحليلي، مقدما نفسه كأداة للتكوين وإطار لفهم اشتغال الحقل الإعلامي في آن واحد، فيما يرى د. كزوط أن المؤلف يسعى إلى تفكيك عملية إنتاج الخبر، من خلال إبراز مراحلها الدقيقة، بدء من رصد الواقعة، مرورا بآليات الانتقاء والفلترة وفق القيم الخبرية، وصولا إلى التحرير والصياغة، بما يمنح القارئ فهما أعمق لما يجري داخل “مطبخ” الخبر، بدل الاكتفاء بنتيجته النهائية.

ويجد هذا الطرح امتداده النظري في أعمال يورغن هابرماس حول الفضاء العمومي، حيث يغدو الخبر مكونا أساسيا في تشكيل النقاش العام، وإن ظل هذا الدور مشروطا باستقلالية الصحفي وقدرته على التوازن بين إكراهات الزمن وضغوط المؤسسة، ويؤكد كزوط أن الدليل يفتح نقاشا حول مستقبل الخبر في ظل هيمنة المنصات الرقمية، حيث لم يعد الصحفي المصدر الوحيد للمعلومة، وهو ما يمكن قراءته في ضوء تحليلات مانويل كاستلز حول “مجتمع الشبكات” الذي يعيد تشكيل بنية السلطة الإعلامية داخل فضاء متعدد الفاعلين، ومن هنا، لا يكتمل الأفق إلا حين يدرك الصحفي أن ما يكتبه لا يعكس الواقع كما هو، بل يشارك، في الآن ذاته، في صناعته داخل اللغة والتاريخ والمستقبل.

 

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image