الحصيلة الحكومية لا تعكس واقع المغاربة وتكشف فجوة بين الالتزامات والإنجازات
أكد رئيس الفريق الاشتراكي المعارضة الاتحادية بمجلس المستشارين، يوسف ايذي، خلال مداخلته في الجلسة الدستورية المخصصة لمناقشة الحصيلة الحكومية للفترة 2021-2026، اليوم الأربعاء 22 أبريل 2026، أن هذه المحطة السياسية والمؤسساتية لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد عرض انتقائي للأرقام أو تجميع للمعطيات دون مساءلة مدلولها الحقيقي، مشددا على أن الأرقام لا تتحدث إلا إذا وُضعت في سياقها، وقورنت بما التزمت به الحكومة في برنامجها، وبما يعيشه المواطن المغربي يوميا من صعوبات وانتظارات.
وأوضح ايذي أن التقييم الموضوعي للحصيلة يقتضي إجراء مقارنة دقيقة بين الوعود المعلنة سنة 2021 والنتائج المعروضة سنة 2026، معتبراً أن هذه المقارنة تكشف بوضوح وجود مسافة واسعة بين الالتزام والتنفيذ، وبين الخطاب والواقع.
وفي ما يتعلق بملف التشغيل، أشار ايذي، إلى أن الحكومة قدمت برنامجها متعهدة بإحداث مليون منصب شغل صاف خلال الولاية، بمعدل يقارب 200 ألف منصب سنويا، غير أن الحصيلة المعروضة تؤكد إحداث حوالي 850 ألف منصب شغل بين 2021 و2025، أي بمعدل 170 ألف منصب سنويا، وهو ما يعني، حسب تعبيره، أن الحكومة لم تبلغ الهدف الذي التزمت به، وأنها مع نهاية سنة 2025 ما تزال بعيدة عن الوعد الأصلي بحوالي 150 ألف منصب شغل. مضيفا أن الأهم من ذلك هو أن هذا الرقم لم ينعكس بالشكل المطلوب على واقع البطالة، خاصة في صفوف الشباب والنساء وحاملي الشهادات، ما يبرز أن الإشكال لا يرتبط فقط بعدد المناصب، بل بطبيعتها واستدامتها وتوزيعها المجالي.
وسجل ايذي أن الحكومة تشير إلى أن سنة 2025 عرفت خلق 233 ألف منصب شغل غير فلاحي، وتتوقع أن يتجاوز مجموع المناصب المحدثة في القطاعات غير الفلاحية مليون منصب شغل مع نهاية 2026، معتبراً أن هذا المعطى يعكس انتقالاً من وعد انتخابي واضح إلى إعادة صياغة الهدف في نهاية المسار، عبر احتساب مناصب متوقعة وغير منجزة بعد، والتركيز فقط على الشغل غير الفلاحي، وهو ما اعتبره مؤشرا على ارتباك في منهجية عرض الحصيلة.
وفي محور الحماية الاجتماعية، شدد على أن هذا الورش شكل أحد الأعمدة الأساسية في البرنامج الحكومي، من خلال تعميم التغطية الصحية وإحداث دعم مباشر للفئات الهشة وتوسيع الاستفادة من أنظمة الحماية الاجتماعية، غير أن الحصيلة المعروضة، حسب قوله، لم تقدم بشكل كاف أرقاما دقيقة حول نسبة التغطية الفعلية، وعدد المستفيدين الذين أصبحوا يلجون فعلياً للعلاج، ولا حول نسبة تقليص النفقات الصحية المباشرة للأسر. وأكد أن جوهر الإصلاح الاجتماعي لا يقاس بعدد المسجلين فقط، بل بمدى حصول المواطنين على العلاج في آجال معقولة، وبجودة الخدمات، وبخفض ما تتحمله الأسر من مصاريف.
واعتبر ايذي، أن تقديم ورش الحماية الاجتماعية باعتباره تجسيداً لبناء الدولة الاجتماعية يظل، في ضوء المعطيات المتوفرة، أقرب إلى شعار سياسي منه إلى واقع مؤسساتي متكامل، موضحاً أن الدولة الاجتماعية لا تختزل في توسيع التسجيل في الأنظمة، بل تقوم على ضمان فعلي للحقوق الأساسية، وجودة الخدمات العمومية، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية. وأضاف أن عدداً من المؤشرات في قطاعات الصحة والتعليم والتشغيل ما تزال تعكس استمرار اختلالات بنيوية، ما يطرح تساؤلات جدية حول توفر المقومات الحقيقية لهذه الدولة الاجتماعية.
وفي قطاع الصحة، أشار ايذي إلى أن الحكومة التزمت بتعزيز ميزانية الصحة العمومية وإطلاق إصلاح شامل للمنظومة الصحية، غير أنه، رغم المجهود المالي، ما تزال مؤشرات الخصاص البنيوي قائمة، من قبيل نقص الأطر الصحية، والاكتظاظ، وطول المواعيد، وصعوبة الولوج إلى الخدمات في المناطق القروية، ما يعني أن ارتفاع الاعتمادات لم يتحول بعد إلى تحول نوعي في الخدمة الصحية العمومية.
وعلى المستوى الاقتصادي، سجل ايذي، أن الحكومة تفتخر بارتفاع الاستثمار الأجنبي المباشر من 32.5 مليار درهم سنة 2021 إلى 56 مليار درهم سنة 2025، بزيادة تقارب 73 في المائة، كما تحدثت عن المصادقة على 381 مشروعاً استثمارياً بقيمة إجمالية تصل إلى 245 مليار درهم، من المرتقب أن تُمكن من خلق 581 ألف منصب شغل مباشر وغير مباشر. غير أنه شدد على أن القراءة الدقيقة لهذه الأرقام تفرض التمييز بين المشاريع المصادق عليها وتلك المنجزة فعلياً، وبين مناصب الشغل المتوقعة والمناصب المحدثة واقعياً، معتبراً أن التوقيع على الاتفاقيات لا يعني الإنجاز الفعلي، كما أن الإعلان عن فرص الشغل المرتقبة لا يعادل خلقها على أرض الواقع.
كما أشار إلى أن الحكومة أعلنت هدفاً استراتيجياً يتمثل في رفع مساهمة الاستثمار الخاص إلى ثلثي الاستثمار الوطني في أفق سنة 2035، وهو هدف يتجاوز زمن الولاية الحكومية الحالية، ما يعني أن جزءاً مهماً من الرؤية المقدمة اليوم لا يتعلق بحصيلة منجزة، بل بوعود مؤجلة.
وفي ما يخص القدرة الشرائية، أبرز ايذي أن الحصيلة تشير إلى تراجع معدل التضخم إلى 0.8 في المائة مع نهاية سنة 2025 بعد أن بلغ 6.6 في المائة سنة 2022، غير أن هذا المعطى، رغم أهميته، لا يلغي أن الأسر المغربية تحملت خلال السنوات الماضية موجة غلاء غير مسبوقة، وأن انخفاض معدل التضخم لا يعني تراجع الأسعار، بل فقط تباطؤ وتيرة ارتفاعها، وهو ما يفسر استمرار شعور المواطنين بضغط تكاليف المعيشة، خاصة في ما يتعلق بالغذاء والنقل والطاقة.
ولم يغفل ايذي الإشارة إلى تنامي مظاهر الاحتقان الاجتماعي، التي تجسدت في تعدد الاحتجاجات المهنية والقطاعية خلال هذه الولاية، خاصة في قطاعات التعليم والصحة والنقل، معتبراً أن هذا المعطى يعكس عمق الاختلالات المرتبطة بالأجور وظروف العمل وآفاق الترقي الاجتماعي، كما يعكس محدودية أثر السياسات العمومية في تحقيق الإنصاف الاجتماعي، وضعف قنوات الوساطة المؤسساتية في الاستجابة الاستباقية للمطالب.
وفي سوق الشغل المهيكل، أشار ايذي، إلى ارتفاع عدد الأجراء المصرح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي من حوالي 2.83 مليون سنة 2020 إلى نحو 4.70 مليون سنة 2024، أي بزيادة تناهز 66 في المائة، معتبراً أن هذا مؤشر مهم من حيث توسيع التصريح الاجتماعي، لكنه يطرح في المقابل تساؤلات حول نوعية العقود، واستقرار العمل، ومستوى الأجور، فضلاً عن استمرار حجم الاقتصاد غير المهيكل الذي يستوعب فئات واسعة خارج التغطية الاجتماعية الفعلية.
وخلص رئيس الفريق الاشتراكي المعارضة الاتحادية إلى أن قراءة هذه الأرقام مجتمعة تقود إلى خلاصة مفادها أن الحكومة قدمت أرقاماً جزئية قد يكون بعضها إيجابياً، لكنها أخفقت في بلوغ عدد من الأهداف المركزية التي التزمت بها، كما أخفقت في تحويل المؤشرات الماكرو-اقتصادية إلى أثر اجتماعي ملموس. موضحا أن الاستثمار ارتفع، لكن البطالة ما تزال مرتفعة، والتغطية توسعت، لكن الولوج إلى العلاج ما يزال صعباً، والتضخم تراجع، لكن القدرة الشرائية ظلت منهكة، وعدد المصرح بهم ارتفع، لكن هشاشة التشغيل لم تتراجع بالقدر المطلوب.
وأكد في ختام مداخلته أن الإشكال الحقيقي في الحصيلة الحكومية لا يكمن في نقص الأرقام، بل في غياب الانسجام بينها وبين الواقع الاجتماعي، مشيراً إلى أن الحكومة تقرأ نجاحها من خلال الجداول والمؤشرات، بينما يقيس المواطن الحصيلة من خلال كلفة المعيشة، وفرص الشغل، وجودة المدرسة العمومية، وكرامة العلاج. واعتبر أن الحصيلة، رغم ما تتضمنه من بعض المكتسبات، تظل دون مستوى الالتزامات الرقمية والسياسية المعلنة سنة 2021، ودون مستوى الإمكانيات المتاحة، ودون مستوى الانتظارات المشروعة للمغاربة.








تعليقات
0