حصيلة الحكومة: وفاء جزئي بالإصلاحات مقابل استمرار الاختلالات وتراجع الأثر الاجتماعي على الطبقة المتوسطة والشباب واتساع الفوارق المجالية وبطء الأوراش الاستراتيجية

anwar الخميس 23 أبريل 2026 - 20:52 l عدد الزيارات : 49004

كشف تقرير مرصد العمل الحكومي حول حصيلة الحكومة للولاية 2021–2026، المعنون بـ”حصيلة الحكومة، بين وفاء جزائي للالتزامات واستمرار للاختلالات”، عن صورة مركبة لأداء السياسات العمومية، حيث يتقاطع تسجيل بعض التقدم في عدد من الأوراش مع استمرار اختلالات بنيوية حدت من الأثر الفعلي لهذه السياسات على المستويين الاجتماعي والاقتصادي. وتبرز هذه الازدواجية بشكل واضح من خلال محدودية انعكاس الإصلاحات على فئات واسعة، وعلى رأسها الطبقة المتوسطة، واستمرار الفوارق المجالية والاجتماعية، وبطء تنزيل عدد من الأوراش الاستراتيجية، إلى جانب غياب سياسات مندمجة في مجالات حيوية كالشباب.

ففي ما يتعلق بالطبقة المتوسطة، يبرز التقرير أنها كانت من أبرز المتضررين خلال هذه الولاية، نتيجة تعرضها لضغط مزدوج تمثل في الارتفاع المتواصل لكلفة العيش مقابل استفادة محدودة من آليات الدعم المباشر التي ظلت موجهة أساسًا للفئات الهشة. فمنذ سنة 2021، شهدت نفقات الأسر ارتفاعا ملحوظا شمل السكن، والتعليم الخصوصي، والصحة، والنقل، والمواد الغذائية، خاصة خلال موجة التضخم القوية بين سنتي 2022 و2023 التي تجاوزت 6 في المئة في المتوسط، قبل أن تتراجع إلى 0,8 في المئة سنة 2025، دون أن يعني ذلك انخفاض الأسعار بل فقط تباطؤ وتيرة ارتفاعها، وهو ما أبقى الضغط المالي قائمًا. ورغم تسجيل تحسن في الدخل الإجمالي المتاح للأسر الذي بلغ 1.059,7 مليار درهم سنة 2024 بزيادة 6,7 في المئة، وتحسن القدرة الشرائية بـ5,1 نقاط، فإن هذا التحسن لم ينعكس بشكل متوازن، إذ استنزفت كلفة الخدمات الأساسية جزءًا كبيرًا منه، وظلت هذه الفئة تتحمل العبء الأكبر للضريبة على الدخل وأقساط القروض السكنية وكلفة التعليم والصحة الخاصين، ما يعكس محدودية قدرة السياسات العمومية على حماية موقعها الاجتماعي وقدرتها الادخارية، ويُفسر استمرار الشعور بالضغط المالي وتراجع هامش الأمان الاقتصادي لدى جزء واسع منها.

وفي ما يخص الفوارق المجالية والاجتماعية، يؤكد التقرير استمرار تمركز خلق الثروة في عدد محدود من الجهات، حيث استحوذت جهة الدار البيضاء–سطات على 31,7 في المئة من الناتج الداخلي الخام، تليها جهة الرباط–سلا–القنيطرة بـ15,8 في المئة، ثم طنجة–تطوان–الحسيمة بـ11,8 في المئة، ما يعني أن ثلاث جهات فقط تنتج حوالي 59,3 في المئة من الثروة الوطنية، في مقابل مساهمة ضعيفة لجهات داخلية مثل بني ملال–خنيفرة التي لم تتجاوز 5,4 في المئة سنة 2026، بعد أن كانت في حدود 6,7 في المئة في سنوات سابقة.

ويعكس هذا المعطى استمرار اختلال التوزيع الترابي للقيمة المضافة، وهو ما يتأكد أيضًا من خلال تمركز الاستثمار العمومي، إذ استحوذت ثلاث جهات فقط على حوالي 60,4 في المئة من غلاف استثماري إجمالي بلغ 380 مليار درهم سنة 2026. أما على المستوى الاجتماعي، فرغم تسجيل تحسن نسبي، فإن الفقر متعدد الأبعاد ما يزال في حدود 6,8 في المئة، أي حوالي 2,5 مليون شخص، مع تركّز 72 في المئة من الفقراء في الوسط القروي، كما تم تسجيل نحو 295 ألف منقطع عن الدراسة خلال الموسم 2023–2024، أغلبهم في التعليم الإعدادي، مع ارتفاع هذه الظاهرة في الجهات الداخلية نتيجة هشاشة البنيات الأساسية وبعد المؤسسات التعليمية. وتؤكد هذه المؤشرات أن إشكال العدالة المجالية والاجتماعية لا يرتبط فقط بحجم النمو، بل بقدرته على تقليص الفوارق بين الجهات.

ومن جهة أخرى، يبرز التقرير بطء وتيرة إصلاحات الماء والطاقة وتأخر انعكاسها على الكلفة والأمن الاستراتيجي، حيث إن البرامج المعلنة، رغم طموحها، لم تحقق بعد أثرها الملموس بالسرعة المطلوبة. ففي قطاع الماء، ورغم تخصيص 143 مليار درهم للبرنامج الوطني للتزويد بالماء الشروب ومياه السقي، ما تزال وتيرة إنجاز مشاريع الربط المائي وتحويل المياه بين الأحواض أقل من مستوى الاستعجال الذي تفرضه سنوات الجفاف المتتالية، كما أن مشاريع تحلية مياه البحر، رغم أهميتها، لم تبلغ بعد طاقتها الإنتاجية الكاملة، حيث ما تزال مشاريع كبرى مثل محطة الدار البيضاء في طور الإنجاز.

وفي قطاع الطاقة، ورغم بلوغ الطاقات المتجددة حوالي 45 في المئة من القدرة المركبة، فإن الأثر على كلفة الكهرباء والمحروقات ظل محدودًا، في ظل فاتورة طاقية بلغت حوالي 11,5 مليار دولار سنة 2025، إلى جانب ضعف قدرات التخزين التي لا تتجاوز 31 يومًا، وعدم استغلال الإمكانيات المتاحة، واستمرار غياب مصفاة وطنية منذ توقف سامير، ما يجعل المغرب أكثر عرضة للتقلبات الخارجية. ويعكس ذلك فجوة بين الطموح الاستراتيجي وسرعة التنفيذ.

وفي ما يتعلق بقطاع السكن، ورغم اعتماد إصلاح مهم يقوم على دعم الطلب بدل العرض، من خلال تقديم دعم مباشر للأسر يصل إلى 100 ألف درهم، فإن وتيرة الإنجاز ما تزال محدودة مقارنة بحجم الحاجيات، حيث تم دعم حوالي 71 ألف وحدة سكنية خلال نحو سنتين، بمعدل يقارب 38 ألف وحدة سنويًا، وهو ما لا يغطي سوى حوالي 19 في المئة من الطلب السنوي الجديد المقدر بنحو 196 ألف أسرة، دون احتساب الخصاص المتراكم الذي يتراوح بين 300 و400 ألف وحدة. كما يواجه هذا الورش إكراهات بنيوية مرتبطة بضعف وفرة العقار وارتفاع أسعار الأراضي ومواد البناء، مما يحد من أثر الدعم المباشر ويُبقي الضغط على الأسعار قائمًا، ويجعل البرنامج غير قادر، بصيغته الحالية، على التحول إلى رافعة حقيقية لتقليص العجز السكني.

أما في ما يخص الشباب، فيسجل التقرير غياب سياسة عمومية مندمجة وواضحة المعالم، حيث اقتصر التدخل أساسًا على إطلاق “جواز الشباب” كأداة رقمية توفر بعض الامتيازات والتخفيضات في مجالات الثقافة والنقل، دون أن ترقى إلى معالجة القضايا البنيوية التي تهم هذه الفئة، مثل التشغيل والتكوين والصحة النفسية والاندماج الاجتماعي. ويؤكد التقرير أن اختزال السياسة الشبابية في آلية تقنية ذات طابع تواصلي لا يواكب حجم التحديات، خاصة في ظل استمرار بطالة الشباب وتنامي فئة غير المندمجين في التعليم أو الشغل أو التكوين، مما يعكس غياب رؤية شمولية تجعل من الشباب فاعلًا في التنمية.

وفي ما يتعلق بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، ورغم تخصيص اعتمادات مالية مهمة وإطلاق عدد من المبادرات، فإن وتيرة التنفيذ ظلت بطيئة، حيث لم يتم صرف سوى حوالي 250 مليون درهم من أصل مليار درهم مبرمجة بين 2022 و2025، وهو ما يعكس محدودية التنزيل واستمرار ضعف حضور الأمازيغية في الإدارة والخدمات العمومية، بما يشير إلى أن الملف ما يزال يدار بمنطق رمزي أكثر منه إلزامي.

كما يبرز التقرير أن ورش الحماية الاجتماعية، رغم أهميته والتقدم المسجل في توسيع التغطية الصحية إلى حوالي 31,94 مليون مستفيد سنة 2024، يواجه تحديات حقيقية مرتبطة بالاستدامة المالية، خاصة بسبب ضعف انخراط العمال غير الأجراء، حيث لم يتجاوز عدد المسجلين 3,27 مليون من أصل 11 مليون، إلى جانب ضعف نسب تحصيل الاشتراكات التي لم تتجاوز 37 في المئة، وهو ما أدى إلى تسجيل عجز تقني يقارب 391 مليون درهم، مع استمرار خروج نسبة مهمة من السكان من التغطية الفعلية بسبب عدم الأداء أو إخلال المشغلين بواجباتهم.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image