احتضنت مدينة الدار البيضاء، صباح اليوم الخميس، في إطار الدورة الثانية من المهرجان الدولي للسينما والمساواة، المنظم من طرف جمعية التحدي للمساواة والمواطنة خلال الفترة الممتدة من 22 إلى 26 أبريل 2026، ندوة فكرية حول موضوع “السينما والأدب في مواجهة العنف الرقمي”، وذلك تحت شعار “الكاميرا في مواجهة العنف الرقمي”.
وأكدت الإعلامية والباحثة فاطمة الإفريقي، التي أدارت أشغال الندوة، أن العنف الرقمي أضحى أحد أبرز آليات “القتل الرمزي”، لما يخلفه من آثار نفسية واجتماعية خطيرة، خاصة في صفوف النساء.

وفي مداخلة بعنوان “الأدب في مواجهة العنف الرقمي: هوت ماروك نموذجا”، اعتبر المؤلف والصحفي ياسين عدنان أن العنف الرقمي لا يقل خطورة عن العنف المادي، بل يتجاوزه أحيانا لكونه عنفا صامتا وعابرا للحدود الجغرافية والزمنية، يستهدف السمعة والمصداقية والحياة الخاصة للأفراد، ويقود في كثير من الحالات إلى الانهيار النفسي والعزلة الاجتماعية.
وأضاف المؤلف المغربي أن أخطر مظاهر هذه الظاهرة يتمثل في “الاحتفال الرقمي بالخوض في أعراض الناس وحياتهم الخاصة”، مبرزا أن الفضاء الرقمي تحول لدى البعض إلى مجال لتطبيع العنف واستساغته، مشيرا إلى أن الأدب والسينما مطالبان اليوم بتعرية هذا العنف وتشخيصه وفضحه، بدل الاكتفاء بالمشاهدة الصامتة.
وشدد المتحدث ذاته على أن مواجهة العنف الرقمي لا يمكن أن تتم فقط عبر الحجب والمنع، بل تحتاج إلى قوة السرد والإبداع، القادرين على النفاذ إلى العمق الإنساني، وتمكين المتلقي من رؤية ذاته داخل ما يظنه موجها إلى الآخر.

من جهته، تناول الجامعي والناقد السينمائي سليمان حقيوي، في مداخلة بعنوان “من العلامة إلى الأثر: العنف الرقمي في الخطاب السينمائي”، أثر التشهير الرقمي على الأفراد، موضحا أن السمعة التي تُبنى عبر سنوات من العمل يمكن أن تُهدم في لحظة واحدة.
كما أوضح الناقد المغربي أن العنف الرقمي يشتغل على ثلاثة مستويات؛ أولها إنتاج الصور، ثم تضخيمها، وأخيرا تطبيعها داخل المجتمع، معتبرا أن المنصات الرقمية تعتمد الإغراء والخوارزميات أكثر من الضغط المباشر، ما يمنحها قدرة كبيرة على توجيه الرأي العام، مشيرا إلى أن السينما بدورها أداة تأثير وسلطة، سواء من خلال اختيار المواضيع أو زوايا التصوير أو المونتاج، داعيا إلى إنتاج أعمال فنية تطرح هذه القضايا بجرأة ومسؤولية.

وفي السياق ذاته، أكدت الأستاذة الجامعية خديجة براضي، خلال مداخلة بعنوان “العنف المبني على النوع الاجتماعي في الفضاء الرقمي: أي مسؤولية للإعلام؟”، أن الإعلام لم يعد مجرد ناقل للخبر، بل فاعلا أساسيا قد يساهم أحيانا في إعادة إنتاج الانتهاك.
وأضافت أن بعض المنصات الإعلامية الإلكترونية تحوّل هشاشة النساء ومعاناتهن إلى مادة للفرجة والإثارة، كما تعتمد مقاربات تقوم على لوم الضحية بدل التركيز على الفعل الجرمي والمسؤولية القانونية، مشيرة إلى أن غياب الحماية الفعالة للنساء ضحايا العنف الرقمي يدفع عددا منهن إلى الانسحاب من الفضاء الرقمي، محذرة من خطورة تكريس الصور النمطية والتزييف العميق، في ظل اقتصاد رقمي قائم على جذب الانتباه وتحقيق الأرباح.

من جانبه، شدد أنس سعدون، عضو نادي قضاة المغرب، في مداخلة بعنوان “وقف العنف الرقمي: نحو تكسير الصور النمطية”، على أن العنف ضد النساء في الفضاء الرقمي امتداد للعنف الممارس في الواقع، داعيا إلى الرهان على الوقاية والتبليغ المبكر.
وأوضح سعدون أن من أخطر التمثلات السائدة اعتبار العنف الرقمي أمرا عاديا، أو تحميل الضحية مسؤولية ما تتعرض له، وهو ما يشجع المعتدين على التمادي. كما دعا إلى عدم الخضوع للابتزاز الإلكتروني، لأن ذلك يوسع دائرة الظاهرة.
وأكد المتدخل أن القانون، رغم أهميته، يجد صعوبة في مواكبة التحولات الرقمية المتسارعة، ما يستدعي إشراك الفاعلين الثقافيين والإعلاميين والتربويين إلى جانب المؤسسات القضائية والأمنية.

وخلصت الندوة إلى أن مواجهة العنف الرقمي ضد النساء ليست معركة قانونية فقط، بل هي أيضا معركة تربوية وثقافية وأخلاقية وإعلامية، تستدعي بناء مشروع مجتمعي شامل قائم على التوعية، والحماية، والردع، وتعزيز ثقافة المساواة والاحترام داخل الفضاء الرقمي.








تعليقات
0