بوادر اندحار “التفرقيش” السياسي

talbi الثلاثاء 13 يناير 2026 - 16:14 l عدد الزيارات : 115410

لم يعد المشهد الحزبي للتحالف الثلاثي المتحكم في المغرب يُدار بمنطق السياسة كما يفترض في الأنظمة الدستورية، بل صار يُسيَّر بمنطق التدبير الضيق للمصالح، وتقاسم النفوذ، وتأمين الاستمرارية، ولو على حساب المعنى والوظيفة والشرعية. نحن اليوم أمام أغلبية حكومية لا تجمعها رؤية وطنية ولا مشروع مجتمعي، بقدر ما يجمعها توافق نفعي هدفه التحكم في القرار العمومي، وتحويل الحكومة إلى فضاء لتدبير الامتياز لا لمساءلة السلطة أو خدمة الصالح العام.
الأحزاب التي تتصدر الحكومة لم تعد أحزابًا بالمعنى السياسي للكلمة، بل تحوّلت إلى أدوات انتخابية موسمية، أو واجهات تنظيمية لدوائر نفوذ اقتصادية ومالية. اختفى النقاش العمومي الحقيقي، وغابت الجرأة في اتخاذ القرار، وحلّ محلّهما خطاب تقني بارد يختزل السياسة في أرقام ومؤشرات، بينما تتآكل الثقة، ويتوسع الإحباط، وتم استعداء وبشكل مقصود كل القوى الحية في البلاد ويشعر المواطن أن صوته لم يعد يُحدث فرقًا.
غير أن الأخطر من ضعف الأداء هو ما يمكن تسميته، دون تلطيف لغوي، بـمنطق “التفرقيش”: تقاسم خيرات البلاد بين مكونات التحالف الحاكم، بشكل منظم ومقنّع. جماعات ترابية، مجالس أقاليم، جهات، مؤسسات عمومية، مجالس إدارية، وبرلمان بغرفتيه، كلها صارت موضوع قسمة “عادلة” بين الشركاء، لا على أساس الكفاءة أو المصلحة العامة، بل بمنطق الولاء الحزبي والموقع داخل التحالف. هكذا تحوّلت الحكومة إلى خريطة نفوذ، وتحولت المؤسسات إلى حصص، وتحول التعيين والتدبير إلى مكافآت سياسية.
في هذا السياق، لم يعد “الدعم” أداة لتقليص الفوارق أو إنقاذ الفئات الهشة، بل غطاءً لتوزيع المال العام تحت مسميات تقنية، استفادت منه شبكات قريبة من مراكز القرار الحكومي او تدور في فلكه ، بل وحتى من الصفوف الأولى للحكومة ضهر فراقشية كبار في كل القطاعات او ماىيسمى تادبا تضارب المصالح . نشأت طبقة جديدة تعيش على هذا التفرقيش، تقتات من الريع المقنن، وتستثمر في القرب السياسي بدل الاستثمار في الإنتاج أو الابتكار. والنتيجة: اقتصاد مشلول بالمصالح، وسياسة مشلولة بالخوف من فتح الملفات.
أخطر ما في هذا المشهد ليس فقط تبديد الموارد، بل تفريغ السياسة من بعدها الأخلاقي. حين يصبح تداخل المال والسلطة قاعدة لا استثناء، وحين تُدار الأغلبية بمنطق التحالف الدفاعي عن المصالح المشتركة، فإن البرلمان يفقد دوره الرقابي، وتُهمَّش المعارضة، وتُحاصر المؤسسات الدستورية، وتُعاد صياغة الحكومة من الداخل وفق منطق الشركة لا منطق الخدمة العمومية.
المشهد الحزبي الحاكم اليوم يعاني فقرًا في الخيال السياسي، وعجزًا عن إنتاج الأمل. وبدل أن تكون الحكومة فضاءً لتدبير الاختلاف وصناعة التوافق حول أولويات وطنية كبرى—العدالة الاجتماعية، التعليم، الصحة، الكرامة، وتقليص الفوارق—صارت ساحة لتقاسم الغنائم الرمزية والمادية، ولتسويق إنجازات محدودة بلغة انتصارية لا تقنع حتى أصحابها.
إن الأزمة الحقيقية ليست أزمة أشخاص، بل أزمة منطق حكم: منطق يعتبر الحكومة امتدادًا للتحالف الحزبي، والحزب امتدادًا للمصالح، والمصلحة الخاصة أسبق من المصلحة العامة. في ظل هذا المنطق، تُختزل السياسة في إدارة الزمن الانتخابي، لا في بناء الثقة، وتُختصر الديمقراطية في صناديق اقتراع تُفرغ من مضمونها بين استحقاق وآخر.
ومع كل هذا، فإن الخطر الأكبر يتمثل في تطبيع الرداءة: رداءة الخطاب، رداءة الممارسة، ورداءة الطموح. حين يُطلب من المواطن أن يقتنع بالقليل، وأن يصبر على الغلاء، وأن يبرر الفشل بعوامل خارجية، بينما يرى نفس الوجوه ونفس التحالفات تعيد إنتاج نفسها وتُعيد تقسيم الكعكة نفسها، فإننا نكون أمام قطيعة صامتة بين المجتمع والسياسة.
ليست لشت بصدد إعلان خصومة مع حزب أو تحالف بعينه، بل صرخة في وجه حكومة فقدت البوصلة. فالحكومة لا تُدار بمنطق الأغلبية العددية فقط، بل بشرعية الإنجاز، وبوضوح الرؤية، وبالقدرة على إقناع المواطنين بأن السياسة ما تزال أداة للتغيير، لا مجرد تقنية لتدبير التفريقش.
إن المغرب في حاجة إلى عودة السياسة إلى السياسة: أحزاب ذات مشروع لا واجهات، حكومة تخضع للمساءلة لا تتحصن بالأغلبية، ومشهد حزبي يستعيد وظيفته التاريخية في التأطير والوساطة والاقتراح. دون ذلك، سنظل ندور في حلقة مفرغة، نغيّر الوجوه، وتبقى الغنائم، ويتعمّق الشعور بأن السياسة انسحبت من المجال العام، وتركته نهبًا للمصالح الضيقة.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image