الكونفدرالية الديمقراطية للشغل تكشف بارومتر 2025: أزمة شغل خانقة وتآكل القدرة الشرائية يعيدان طرح مطلب عقد اجتماعي جديد

anwar الأربعاء 29 أبريل 2026 - 12:58 l عدد الزيارات : 38134

عقدت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل ندوة صحفية اليوم الأربعاء 29 أبريل بالدار البيضاء، خصصت لتقديم “البارومتر الاجتماعي لسنة 2025: قراءة في المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية وأوضاع الطبقة العاملة في المغرب”.

وحسب النقابة، يأتي هذا البارومتر الاجتماعي في لحظة تتسم بتفاقم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على الطبقة العاملة وعموم الأجراء والفئات الشعبية، في سياق يتداخل فيه الغلاء، وتراجع القدرة الشرائية، واتساع الهشاشة، واستمرار البطالة، وتفاقم الفوارق الاجتماعية والمجالية، مع تراجع الوظيفة الاجتماعية للدولة وتوسع منطق السوق والربح في مجالات يفترض أن تؤطرها مبادئ الحق والعدالة والإنصاف.

وفي هذا السياق، أكد الكاتب العام للنقابة، خالد العلمي لهوير، أن الكونفدرالية ستخلد فاتح ماي لهذه السنة بشعار “من أجل عقد اجتماعي جديد”، وذلك دفاعا عن مطالب الشغيلة المغربية والتصدي لكل مظاهر التراجع على كافة المستويات الاجتماعية والاقتصادية.

 وسجل العلمي، أن الحوار الاجتماعي يطرح العديد من الإشكالات المرتبطة أساسا بعدم التزام الحكومة بالاتفاقات مع الفرقاء الاجتماعيين، أو بمأسسة الحوار، مشيرا إلى تراجع منسوب الثقة في مختلف المؤشرات، وما يرافقه من خيبة أمل وقلق لدى المواطنين، في ظل وضع اجتماعي صعب يتميز بتراجع القدرة الشرائية وغلاء الأسعار.

وأضاف أن الحكومة وأعضاءها “يختبئون وراء بعضهم البعض”، معلنا عن خوض الكونفدرالية مسيرات احتجاجية جهوية يوم 17 ماي 2026، من أجل الضغط على الحكومة لرفع الأجور والاستجابة لمطالب الشغيلة المغربية.

وشدد على أن الوحدة النقابية مسألة أساسية، وأن الفكر الوحدوي سيبقى حاضرا في توجه الكونفدرالية، مؤكدا وجود “دين اجتماعي” في ذمة الحكومة يجب تنفيذه، وأن الاحتجاج يشكل لحظة لمحاسبة السياسات العمومية التي تنهجها الحكومة الحالية.

وبخصوص ملف التقاعد، شدد المتحدث على أن وضعية صناديق التقاعد ليست كما يتم تهويلها من قبل الحكومة، مبرزا أن الإشكال الحقيقي يرتبط بالحكامة في تدبير هذه الصناديق.

ومن هذا المنطلق، لا تقدم الكونفدرالية الديمقراطية للشغل هذا البارومتر باعتباره مجرد تجميع تقني للمعطيات والمؤشرات، بل باعتباره أداة نقابية وتحليلية لرصد الاختلالات البنيوية التي يعرفها النموذج الاقتصادي والاجتماعي القائم، وكشف آثارها الملموسة على أوضاع الشغيلة، وعلى شروط العيش الكريم، وعلى مستقبل التماسك الاجتماعي ببلادنا.

وحسب النقابة، ينطلق هذا البارومتر من قناعة واضحة مفادها أن الأرقام ليست محايدة، وأن المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية لا تكتسب معناها الحقيقي إلا حين توضع في سياقها السياسي والطبقي والمؤسساتي. لذلك، فهو يتتبع أوضاع الشغل والتشغيل، والأجور والدخل والقدرة الشرائية، والحماية الاجتماعية والخدمات العمومية، واللامساواة والفقر، والحقوق الاجتماعية والحريات النقابية، من زاوية تربط بين المعطى الإحصائي وخيارات السياسات العمومية، وبين الواقع المعيشي للأجراء وموازين القوى القائمة بين العمل والرأسمال.

كما يسعى التقرير، إلى إبراز أن ما تعيشه بلادنا ليس مجرد اختلالات ظرفية أو أعطاب تقنية متفرقة، بل نتيجة مباشرة لاختيارات اقتصادية ومالية واجتماعية راكمت الفوارق، وأضعفت المدرسة والمستشفى العموميين، ووسعت مجالات الشغل الهش، وأضعفت آليات الحوار الاجتماعي والتفاوض الجماعي، وأفرغت جزءا مهما من الحماية الاجتماعية من بعدها الحقوقي الشامل.

وإذا كانت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل تعتمد في هذا البارومتر على معطيات رسمية وطنية ودولية، فإن هدفها لا يقتصر على الوصف أو الجرد، بل يتجاوز ذلك إلى تقديم قراءة نقابية نقدية تستحضر حاجيات الشغيلة والطبقات الشعبية، وتضع في الواجهة الأسئلة الحقيقية المتعلقة بتوزيع الثروة، والعدالة الجبائية، وفعالية الخدمات العمومية، وجدوى السياسات الاجتماعية، وموقع العمل داخل المشروع التنموي الوطني.

لذلك، فإن هذا البارومتر هو في الآن نفسه وثيقة تشخيص، وأداة ترافع، وأرضية اقتراح، تسعى من خلالها الكونفدرالية إلى الإسهام في بلورة بديل اقتصادي واجتماعي ديمقراطي، قوامه العمل اللائق، والأجر المنصف، والحماية الاجتماعية الشاملة، والمدرسة العمومية الجيدة، والصحة كحق، والحريات النقابية الكاملة، والعدالة الاجتماعية باعتبارها شرطا لبناء دولة ديمقراطية ومجتمع متضامن.

وتكشف معطيات البارومتر أن سوق الشغل بالمغرب ما يزال أمام أزمة تشغيل عميقة، رغم بعض المؤشرات الجزئية التي قد توحي بتحسن محدود. فالبطالة ما تزال مرتفعة، خصوصا في صفوف الشباب والنساء وحاملي الشهادات، كما أن معدل الشغل يعرف تراجعا مقلقا، بما يعني أن جزءا واسعا من السكان في سن العمل يوجد خارج دائرة الإنتاج الاقتصادي الفعلي. ولا يتعلق الأمر فقط ببطالة ظاهرة، بل أيضا ببطالة مقنعة وشغل ناقص وعمل هش وغير مهيكل، وهي كلها مظاهر تؤكد ضعف قدرة النموذج الاقتصادي الحالي على خلق مناصب شغل لائقة ومستقرة.

ويبرز البارومتر أن النساء والشباب يتحملون الكلفة الأكبر لاختلالات سوق الشغل، إذ تعاني النساء من ضعف كبير في المشاركة الاقتصادية ومن التركز في قطاعات هشة وضعيفة الحماية، بينما يواجه الشباب انسدادا في آفاق الإدماج المهني والاجتماعي، خصوصا فئة الشباب الذين لا يشتغلون ولا يدرسون ولا يتابعون أي تكوين. وتشكل هذه الوضعية هدرا للطاقات البشرية وتهديدا للتماسك الاجتماعي والثقة في المؤسسات ومستقبل التنمية.

أما في مجال الأجور والقدرة الشرائية، فيؤكد التقرير أن الزيادات الاسمية التي عرفتها بعض الأجور خلال السنوات الأخيرة لم تتحول إلى تحسن فعلي وملموس في مستوى عيش الأجراء، بسبب موجة التضخم وارتفاع أسعار المواد الأساسية والسكن والنقل والطاقة. فالحد الأدنى للأجر لا يضمن، في مستواه الحالي، عيشا كريما، خصوصا في المدن الكبرى، كما أن فئات واسعة من الأجراء تعيش بدخل قريب من الحد الأدنى أو دونه. وتكشف المقارنة بين تطور الإنتاجية وتطور الأجور الحقيقية عن اختلال واضح في توزيع القيمة المضافة، حيث ينتج العمال أكثر، بينما لا يستفيدون بشكل عادل من الثروة التي يساهمون في خلقها.

كما يبين البارومتر أن مديونية الأسر تحولت إلى آلية لتعويض ضعف الأجور وارتفاع كلفة العيش، حيث أصبح جزء مهم من دخل الأسر موجها لخدمة القروض، بما يضع الأجراء والفئات المتوسطة والشعبية تحت ضغط مالي دائم. وهذا يؤكد أن أزمة القدرة الشرائية ليست ظرفية، بل نتيجة مباشرة لسياسات أجرية وجبائية واجتماعية لم تجعل من حماية الدخل وتحسين مستوى العيش أولوية مركزية.

وفي مجال الحماية الاجتماعية، يسجل البارومتر أن ورش التعميم عرف تقدما كميا على مستوى توسيع التسجيل والانخراط، لكنه ما يزال يواجه اختلالات بنيوية على مستوى الفعالية والتمويل والولوج الفعلي إلى الخدمات. فالتغطية الصحية لا تعني بالضرورة الحماية من كلفة العلاج، وما تزال الأسر تتحمل جزءا مرتفعا من النفقات الصحية من جيوبها، كما أن أنظمة التقاعد والتعويض عن فقدان الشغل لا تغطي فئات واسعة من العاملين، ولا توفر حماية كافية في مواجهة البطالة أو الشيخوخة أو الهشاشة المهنية.

ويؤكد البارومتر أن الخدمات العمومية، وفي مقدمتها التعليم والصحة، توجد في قلب سؤال العدالة الاجتماعية، حيث لم تعد المدرسة العمومية قادرة بالقدر الكافي على أداء دورها كمصعد اجتماعي بسبب الهدر المدرسي وضعف جودة التعلمات والفوارق الاجتماعية والمجالية، كما أن الصحة العمومية ما تزال تعاني من ضعف الموارد وخصاص الأطر وتفاوت الولوج، مقابل توسع منطق السوق داخل قطاع يفترض أن يكون حقا أساسيا.

وعلى المستوى الجبائي، يبرز التقرير أن النظام الضريبي الحالي ما يزال غير عادل بما يكفي، إذ يثقل كاهل الأجراء والطبقات المتوسطة والفقيرة عبر الضرائب غير المباشرة والاقتطاعات من الأجور، في حين تستمر الامتيازات والنفقات الجبائية والهوامش الواسعة للتهرب والغش والريع لفائدة فئات محظوظة. ولذلك، فإن أي إصلاح اجتماعي حقيقي يمر بالضرورة عبر إصلاح جبائي عادل يعيد توزيع الثروة، ويوسع الوعاء الضريبي على الأرباح والثروة والريع، ويخفف الضغط على الأجور والاستهلاك الشعبي.

كما يشدد البارومتر على أن اللامساواة الاجتماعية والمجالية ليست نتيجة طبيعية أو قدرا اقتصاديا، بل حصيلة اختيارات عمومية راكمت الفوارق بين الفئات والجهات، وأضعفت الطبقات المتوسطة، وعمقت هشاشة الفئات الشعبية، حيث لا يظهر الفقر فقط في ضعف الدخل، بل أيضا في صعوبة الولوج إلى التعليم الجيد والصحة والسكن والنقل والحماية الاجتماعية وفرص الشغل اللائق.

وفي مجال الحقوق الاجتماعية والحريات النقابية، يعتبر التقرير أن الدفاع عن القدرة الشرائية والشغل اللائق والحماية الاجتماعية لا ينفصل عن حماية الحق في التنظيم النقابي والتفاوض الجماعي والإضراب والحوار الاجتماعي الجاد، مؤكدا أن أي تضييق على هذه الحريات يضعف قدرة الأجراء على الدفاع عن حقوقهم ويزيد من اختلال ميزان القوى داخل علاقات الشغل. لذلك، تؤكد الكونفدرالية الديمقراطية للشغل أن الحريات النقابية ليست مطلبا فئويا، بل شرط أساسي لأي ديمقراطية اجتماعية حقيقية.

وخلص البارومتر إلى أن المغرب لا يحتاج إلى إجراءات تقنية معزولة أو معالجات ظرفية محدودة، بل إلى تحول عميق في الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية، يضع العمل اللائق والأجر المنصف والحماية الاجتماعية الشاملة والخدمات العمومية الجيدة والعدالة الجبائية والحريات النقابية في صلب المشروع التنموي الوطني.

ومن هذا المنطلق، جددت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل دعوتها إلى إرساء عقد اجتماعي جديد، قوامه العدالة الاجتماعية والكرامة والديمقراطية والتوزيع العادل للثروة، بما يضمن الأمن الاجتماعي ويفتح أفقا جديدا أمام الطبقة العاملة وعموم المواطنات والمواطنين.

ويطرح البارومتر في هذا الإطار عددا من الإشكالات المركزية، من بينها مفارقة “نمو اقتصادي لا يخلق فرص الشغل”، وإشكالية “الأجور في مواجهة الأسعار وتآكل القدرة الشرائية”، والدعوة إلى “دولة العدالة الاجتماعية بدل دولة الإحسان”، إلى جانب إعادة النظر في النظام الجبائي باعتباره اختيارا مجتمعيا لا مجرد مقاربة تقنية.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image