خرج علينا عبد الإله بنكيران هذه المرة من باب النسب، لا من باب السياسة. وبعد أن ضاقت عليه حصيلة الحكومتين اللتان قادها حزبه معه ومع سعد الدين العثماني، واشتد عليه سؤال المحروقات والتقاعد والتعاقد، قرر أن يفتح لنا سجلاً جديداً: سجل الأجداد.
يخبرنا بنكيران، بكل جدية ممزوجة بطريقته المعهودة في الحكي، أن والدته تنتهي نسباً إلى الصحابي الجليل سعد بن عبادة، ثم يضيف أن سعداً كان “مرشحاً للخلافة” وتنافس مع أبي بكر، قبل أن “تطلع القضية لأبي بكر”، وأن الجد “حنا راسو ومشا للشام”.
وبهذا الاكتشاف السياسي العجيب، يصبح بنكيران، حسب روايته، حفيد أول معارض في تاريخ الحكم الإسلامي. لكن المفارقة أن الجد، كما يحكي هو نفسه، انسحب حين انتهى الخلاف. أما الحفيد فلا ينسحب من المنصة أبداً، ولا من الميكروفون، ولا من الحكايات، ولا من إعادة تدوير المظلومية.
المغاربة لا يسألون بنكيران اليوم عن نسبه إلى سعد، بل عن نسب قراراته إلى جيوبهم. من أي قبيلة جاء تحرير المحروقات؟ ومن أي فخذ خرج إصلاح التقاعد؟ وفي أي شجرة عائلية نضع التوظيف بالتعاقد؟
سعد بن عبادة، حسب رواية بنكيران، “حنا راسو ومشا للشام”. أما هو، فحنا الخطاب حتى صار نكتة، وحنا السياسة حتى صارت حكاية، وحنا المسؤولية حتى أصبحت ضحكاً على عقول البسطاء.
المغاربة لا مشكلة لهم مع سعد بن عبادة، ولا مع النسب، ولا مع الأم، ولا مع العائلة. المشكلة أن بنكيران يريد أن يخلق له صورة المعارض، يريد أن يظهر بمظهر الضحية، وهو الذي كان في موقع القرار. يريد أن يحتمي بالأجداد، بينما الأحفاد اليوم يؤدون فاتورة المحروقات والتقاعد والتعاقد.
بنكيران لم يعارض إلا جيوب المواطنين. عارض راحة الموظف فرفع سن التقاعد. عارض استقرار الأستاذ ففتح باب التعاقد. عارض دعم القدرة الشرائية فحرر المحروقات. ثم عاد اليوم ليقول لنا: أنا من نسل المعارضة.
يا سلام.
بنكيران يريد أن يقول للمغاربة: لا تنظروا إلى الحصيلة، انظروا إلى الشجرة. لكن الناس لم تعد تبحث في الأغصان، بل في الفواتير. لم تعد تسأل من هو الجد، بل من كان صاحب القرار. ولم تعد تنفع معها حكاية “مشى للشام”، لأن السؤال الآن: ومن مشى بقدرة المغاربة الشرائية إلى المجهول؟
بنكيران اكتشف أخيراً أنه معارض، لكنه حكم من قبل كأي محافظ على الامتيازات، ثم عاد إلى المعارضة بالكلام فقط. والفرق كبير بين من يعارض الظلم حين يكون خارج السلطة، ومن يطلب من الناس الصبر حين يكون داخلها.
أما حكاية “الجد حنا راسو ومشا للشام”، فلو أسقطناها على الواقع السياسي المغربي، لقلنا: الجد مشى للشام حين انتهى الخلاف، والحفيد مشى للمهرجانات الخطابية حين بدأت المحاسبة.








تعليقات
0