ترأس الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، مساء اليوم الجمعة 1 ماي 2026 بمدينة طنجة، أشغال المؤتمر الجهوي الثالث للحزب بجهة طنجة تطوان الحسيمة، المنعقد تحت شعار “من أجل اندماج جهوي لتحقيق التنمية الاجتماعية والمجالية”، وذلك وسط أجواء نضالية مفعمة بالحماس، وبحضور وازن لقيادات الحزب ومناضليه ومناضلاته القادمين من مختلف أقاليم الجهة، إلى جانب أعضاء من المكتب السياسي وفعاليات حزبية ونقابية وتنظيمية، في مشهد عكس تعبئة تنظيمية قوية ورغبة واضحة في إعادة ترتيب البيت الداخلي الجهوي وتعزيز الحضور السياسي والمجتمعي للحزب.

وقد أكد إدريس لشكر على أن الحزب تمكن من تكريس التنظيم الجهوي، مبرزا أن عقد 72 مؤتمرا إقليميا، كما أقره المؤتمر الوطني الأخير، أسفر عن إفراز قيادات إقليمية حقيقية، بدل القيادات “المناسباتية”، وهو ما يعزز البناء التنظيمي للحزب على أسس متينة، مشددا على أن المرحلة المقبلة لا تتطلب فقط وجود كتاب أو مفتشين أو أمناء إقليميين، بل تقتضي قيادات قادرة على جعل الحياة الحزبية ممارسة يومية وأسبوعية، قائمة على التأطير المستمر للمواطنات والمواطنين وفق مقتضيات الدستور، من خلال عمل تنظيمي تشارك فيه النساء الاتحاديات والشباب الاتحادي إلى جانب مختلف القطاعات الحزبية، عبر تبني قضاياها والنضال من أجل تحسين أوضاعها.

وعلى مستوى السياق الوطني، توقف الكاتب الأول عند التفاعل الملكي مع ورش العدالة المجالية، مستحضرا مخرجات المجلس الوزاري الأخير وخطاب العرش، الذي قال إنه حمل مشروعين كبيرين سيخضعان للاختبار، والذي يتعلق أولهما بالمنظومة الانتخابية، التي أكد المتحدث على أنها لم تبلغ بعد مستوى النزاهة المطلوبة، مشددا على أن بناء مؤسسات قوية يظل رهينا بمحاربة الفساد الانتخابي، قبل أن يسجل بارتياح تكليف جلالة الملك لوزير الداخلية بفتح مشاورات حول المنظومة الانتخابية، معتبرا أن هذه المشاورات، التي تشمل مختلف القوانين والمراسيم والقرارات، إلى جانب طرق تنظيم مكاتب التصويت وآليات المراقبة الوطنية والدولية، تشكل خطوة مهمة، وإن كانت غير كافية، ليجدد التأكيد على أن الحزب سيواصل المطالبة بإصلاح شامل إلى حين بلوغ منظومة انتخابية تضمن النزاهة الكاملة “تصل بمنظومة الانتخابات إلى بر الامان”.
أما المشروع الثاني، فيتعلق بالعدالة المجالية، حيث أبرز لشكر أن هذا الورش ظل حاضرا كشعار مركزي في مختلف المؤتمرات الإقليمية، قبل أن يحظى بتأكيد ملكي صريح، داعيا إلى تسريع الانتقال نحو جهوية متقدمة حقيقية، قائمة على تمكين المنتخبين من سلط فعلية، وتحقيق توازن بين سلطتي التعيين والانتخاب، بما يواكب تطور مؤسسات الدولة ويقطع مع الأساليب التقليدية، مؤكدا على ضرورة أن لا تقتصر أشغال المؤتمر الجهوي في مناقشة المشروع التنموي، بل أن تمتد إلى بلورة تصور واضح لمستقبل الجهة، خاصة في ما يتعلق بتطوير المؤسسات الجهوية وتحقيق التوازن المؤسساتي.

كما تطرق لشكر إلى السياقات الدولية الراهنة، معتبرا أنها تتسم بالتعقيد، في ظل قرارات اقتصادية قد تؤدي إلى اختلالات كبرى، مجددا موقف حزبه الرافض للحروب والداعي إلى إيقاف إطلاق النار والبحث عن حلول سلمية، لما لهذه النزاعات من آثار سلبية على الشعوب والاقتصاد العالمي، مؤكدا أن القضايا الوطنية، وفي مقدمتها الوحدة الترابية والقضية الفلسطينية، ليست مجالا للمزايدات السياسية، مبرزا أن المغرب، ملكا وحكومة وأحزابا ونقابات ومجتمعا مدنيا، يتقاسم نفس المواقف، وأن الرهان الحقيقي يكمن في إيصال هذه القناعات إلى المنتظم الدولي بدل التنافس الداخلي في الشعارات.
وفي ما يخص قضية الصحراء المغربية، شدد على أن مقترح الحكم الذاتي لم يعد مجرد طرح، بل تحول إلى حل واقعي يحظى بدعم متزايد على المستوى الدولي، داعيا إلى تسريع تفعيله، مع تثمين مواقف الدول الداعمة، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، مؤكدا أن المغرب انتقل من مرحلة كان يترقب فيها قرارات مجلس الأمن بقلق، إلى مرحلة أصبح فيها المنتظم الدولي أكثر وعيا بعدالة القضية الوطنية، وهو ما يستدعي مواصلة العمل الدبلوماسي لتعزيز هذا المسار.
وعلى الصعيد الوطني، انتقد القيادي الاتحادي مخرجات انتخابات 2021، معتبرا أنها أفرزت اختلالا في التوازن السياسي نتيجة تشكيل أغلبية من الأحزاب الثلاثة الأولى، ما أضعف دور المعارضة رغم الضمانات الدستورية، مؤكدا أن الديمقراطية تقوم أساسًا على التوازن بين الأغلبية والمعارضة، وأن أي إخلال بهذا المبدأ يضر بالمؤسسات، داعيا في هذا السياق إلى إصلاح المنظومة الانتخابية بما يضمن هذا التوازن، محذرًا من أن تكرار نفس التجربة لن يخدم تطور الديمقراطية، خاصة في ظل حاجة البلاد إلى الاستقرار والتوازن في مواجهة التحديات الراهنة، مبرزا أن الاتحاد الاشتراكي ساهم، من خلال امتداداته النقابية والتنظيمية، في التخفيف من التوترات الاجتماعية خلال السنوات الأخيرة، وفي إعادة إحياء الحوار الاجتماعي بعد فترة من الجمود.

وبخصوص الاستحقاقات المقبلة، شدد لشكر على ضرورة ضمان نزاهتها، مع تحمل الجميع لمسؤولياتهم في إنجاحها، معبرا عن ثقته في تحسن موقع الحزب واستعادته لمكانته في المشهد السياسي، قبل أن يؤكد في ختام كلمته على أهمية إشراك النساء والشباب في مسطرة الترشيحات، معتبرا أن أي تحول حقيقي لن يتحقق دون حضورهما الفاعل، مشيرا إلى أن الحزب شرع بالفعل في الدفع بطاقات شابة، من بينها مرشحون في سن 21 سنة، وهو توجه اعتبر أنه يعكس إرادة حقيقية في التجديد، داعيا كافة المناضلات والمناضلين إلى العمل على تمكين هذه الفئات من الحضور القوي، خاصة في جهة الشمال التي وصفها بالرائدة تاريخيًا في التنظيم الجهوي، مهنئا مناضليها ومناضلاتها، ومؤكدًا أن الحزب بات اليوم يتوفر على تنظيمات جهوية وكفاءات في مختلف جهات المملكة.
تجدر الإشارة إلى أنه وفي سياق الاعتراف بالعطاء النضالي المتواصل، توقف المؤتمر الجهوي عند لحظة وفاء رمزية تم خلالها تكريم عدد من المناضلين والمناضلات الذين راكموا مسارات طويلة داخل الحزب بالجهة، تقديرا لتضحياتهم وإسهاماتهم في ترسيخ الحضور التنظيمي للاتحاد الاشتراكي بمختلف أقاليم طنجة تطوان الحسيمة، حيث شمل هذا التكريم فعاليات حزبية ونقابية وازنة، جسدت روح الاستمرارية والتجديد داخل التنظيم، حيث تم التنويه بالدور الذي لعبته هذه الأسماء في تأطير الأجيال الصاعدة والدفاع عن قضايا المواطنين، في لحظة طبعتها مشاعر الاعتزاز والامتنان، وأكدت أن الوفاء لرموز النضال يشكل جزءا أساسيا من هوية الحزب وذاكرته التنظيمية.















تعليقات
0