في تحيينه الأخير لتقرير الآفاق الاقتصادية العالمية، قدّم مجموعة البنك الدولي قراءة لافتة لمسار الاقتصاد المغربي، مبرزاً أن وتيرة وعمق الإصلاحات التنظيمية الجارية في المملكة تجاوزت التقديرات السابقة، خصوصاً تلك المرتبطة بتحفيز نشاط القطاع الخاص وإعادة هيكلة بيئة الأعمال. ويعكس هذا التقييم تحوّلاً نوعياً في مقاربة السياسات العمومية، من تدبير ظرفي للتحديات إلى بناء أسس نمو أكثر استدامة.
إصلاحات تنظيمية في قلب الرهان الاقتصادي
يرى البنك الدولي أن الإصلاحات التنظيمية التي باشرتها السلطات المغربية لا تقتصر على تحسين المؤشرات الشكلية لمناخ الاستثمار، بل تستهدف معالجة اختلالات بنيوية، في مقدمتها اتساع الاقتصاد غير المهيكل وضعف دينامية التشغيل. ويُنتظر أن تسهم هذه الإصلاحات في توسيع قاعدة الفاعلين الاقتصاديين، وتحسين اندماج المقاولات الصغرى والمتوسطة داخل الدورة الإنتاجية، بما يعزز خلق القيمة المضافة وفرص الشغل.
هذا التوجه يعكس، وفق التقرير، إرادة واضحة لإعادة تموقع القطاع الخاص كمحرك أساسي للنمو، في سياق يتسم بتراجع هامش تدخل الدولة المباشر، مقابل تعزيز أدوار التنظيم والتحفيز والمواكبة.
الفلاحة والطلب الداخلي… دعم ظرفي للنمو
على المستوى القطاعي، أشار التقرير إلى أن الظروف المناخية الملائمة ساعدت على انتعاش الإنتاج الفلاحي، ما وفر دعماً مهماً للنمو خلال الفترة الأخيرة. غير أن البنك الدولي نبه، بشكل غير مباشر، إلى محدودية هذا العامل، باعتباره رهيناً بتقلبات مناخية متزايدة، ما يعزز الحاجة إلى تنويع مصادر النمو خارج القطاع الفلاحي.
في المقابل، ساهم تحسن الطلب الداخلي، مدعوماً بتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج وانتعاش السياحة، في تعزيز التوازنات الماكرو-اقتصادية، خصوصاً على مستوى الحساب الجاري.
الحساب الجاري والمالية العمومية: توازن حذر
سجّل التقرير تحسناً في وضعية الحساب الجاري للمغرب، نتيجة ارتفاع التحويلات المالية ومداخيل السياحة، وهو ما وفر هامشاً مريحاً نسبياً لتمويل الواردات وتقليص الضغوط الخارجية. غير أن البنك الدولي ربط هذا التحسن بظرفية دولية مواتية نسبياً، ما يفرض الحفاظ على الحذر في تدبير التوازنات الخارجية.
وبخصوص المالية العمومية، توقع التقرير أن يشهد عجز الميزانية في الدول المستوردة للنفط، ومن بينها المغرب، تراجعاً تدريجياً خلال سنتي 2026 و2027، مدفوعاً بتطبيق سياسات تقييدية وضبطية. ويعكس هذا التوجه حرص السلطات على التحكم في النفقات وتحسين تعبئة الموارد، دون التخلي عن دعم الاستثمار العمومي والبرامج الاجتماعية الأساسية.
آفاق النمو والتشغيل: نمو قوي بتحديات مستمرة
يتوقع البنك الدولي أن يبلغ متوسط معدل النمو في المغرب حوالي 4.4 في المائة خلال سنة 2026، وهو مستوى يعكس تحسناً ملحوظاً مقارنة بعدد من الاقتصادات الصاعدة. غير أن التقرير يشير في المقابل إلى أن هذا النمو قد يترافق مع توسع أقل في قطاعي الفلاحة والصناعة، ونمو أكثر اعتدالاً في التشغيل، ما يطرح تحدي جودة النمو وقدرته على امتصاص البطالة، خاصة في صفوف الشباب.
ويبرز هذا المعطى الحاجة إلى تسريع الإصلاحات المرتبطة بسوق الشغل، والتكوين، وربط التعليم بحاجيات الاقتصاد، لضمان تحويل النمو الاقتصادي إلى فرص عمل فعلية.
المغرب في سياق عالمي متباطئ
على الصعيد الدولي، يأتي الأداء المغربي في سياق عالمي يتسم بتباطؤ نسبي، حيث يتوقع البنك الدولي أن يبلغ النمو العالمي 2.6 في المائة خلال 2026، قبل أن يرتفع بشكل طفيف إلى 2.7 في المائة في 2027. ورغم أن هذه التقديرات تمثل مراجعة تصاعدية مقارنة بتوقعات يونيو الماضي، فإنها تعكس استمرار حالة عدم اليقين المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية وتشديد السياسات النقدية.








تعليقات
0