أكد يوسف ايذي رئيس الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية بمجلس المستشارين، خلال مناقشة التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات برسم 2024-2025، أن النقاش حول المالية العمومية لم يعد مرتبطا فقط بحجم الإنفاق، بل بكيفية توجيهه ومدى انعكاسه على العدالة الاجتماعية وجودة الخدمات العمومية، في ظل سياق دولي يتسم بارتفاع التضخم وتباطؤ النمو وارتفاع كلفة التمويل.
وأوضح ايذي، الأربعاء 13 ماي، خلال جلسة عمومية بمجلس المستشارين، أن الاقتصاد العالمي يعيش مرحلة “توتر هيكلي” جعلت من كلفة القرار العمومي أعلى من أي وقت مضى، معتبراً أن الأخطاء الإدارية لم تعد مجرد اختلالات تقنية، بل أصبحت ذات كلفة اجتماعية وسياسية مباشرة تمس ثقة المواطنين في الدولة واستقرار المجتمع.
وسجل ايذي، أن حماية المال العام أصبحت شرطا لاستمرار الدولة الاجتماعية، خاصة مع تزايد الطلب الاجتماعي وتوسيع أوراش كبرى كالحماية الاجتماعية والاستثمار العمومي، مؤكداً أن “كل درهم يُهدر اليوم هو خدمة اجتماعية تُؤجل، وكل ضعف في التدبير يتحول غداً إلى ضغط على الفئات الهشة”.
وفي محور الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، اعتبر الفريق الاشتراكي أن التقرير يكشف استمرار مظاهر الإفلات من المسؤولية، رغم وجود دستور متقدم ومؤسسات قائمة وقوانين واضحة، مشيراً إلى أن تكرار الاختلالات نفسها عبر سنوات يعكس مقاومة داخل الإدارة لأي تغيير يمس ثقافة التدبير التقليدية.
وأكد أن ربط المسؤولية بالمحاسبة يجب أن يتحول من شعار دستوري إلى ممارسة يومية، داعياً إلى منح تقارير المجلس الأعلى للحسابات أثراً سياسياً مباشراً، بدل الاكتفاء بالتعامل معها كوثائق مرجعية موسمية.
وفي ما يتعلق بالمالية العمومية، اعتبر ايذي، أن التقرير يرسم صورة “مركبة”، تجمع بين مجهودات تعبئة الموارد وبين هشاشة توجيه النفقات نحو الأثر الاجتماعي الحقيقي، متسائلاً عن جدوى تحسن المؤشرات المالية إذا لم ينعكس ذلك على جودة التعليم والصحة والنقل وتحقيق العدالة المجالية.
وبخصوص ورش الحماية الاجتماعية، وصفه الفريق بأنه “ورش استراتيجي لكنه هش”، لأنه يقوم على توازن دقيق بين التوسيع الاجتماعي والاستدامة المالية، محذراً من تحويله إلى مجرد توسع إداري دون مضمون اجتماعي فعلي.
وشدد على أن نجاح الحماية الاجتماعية يظل رهيناً بتأهيل المستشفيات وتحسين العرض الصحي وضبط كلفة العلاج، معتبراً أن “الدولة الاجتماعية ليست بطاقة، بل خدمة عمومية ذات جودة”.
كما توقف ايذي، عند موضوع الاستثمار والعدالة المجالية، حيث أشار إلى أن التقرير، رغم إقراره بوجود دينامية استثمارية، ينبه إلى استمرار اختلالات مرتبطة ببطء المساطر وضعف التنسيق وتعقيد الإدارة وإشكالية العقار، معتبراً أن هذه الإكراهات تمس جوهر النموذج التنموي وتؤثر على مناخ الثقة الضروري لجذب الاستثمار.
وفي ما يخص أثر تقارير المجلس الأعلى للحسابات على صناعة القرار، دعا الفريق الاشتراكي إلى الانتقال من “ثقافة التشخيص” إلى “ثقافة الإلزام”، من خلال إدماج توصيات المجلس في تقييم الأداء الحكومي، وربط البرامج العمومية بآجال واضحة لتنفيذ التوصيات، وتقوية دور البرلمان في تتبعها، إلى جانب نشر تقارير دورية حول مدى الالتزام بالإصلاح.
وختم ايذي تدخله بالتأكيد على أن التقرير “ليس وثيقة ضد الحكومة ولا لصالح المعارضة، بل وثيقة لصالح البلاد”، مشددا على أن الحكومة القوية هي التي تبني شرعيتها على الشفافية ولا تخاف من الرقابة، داعياً إلى تحويل الرقابة إلى “محرك للإصلاح” بدل أن تتحول إلى “أرشيف إداري”.








تعليقات
0