عبدالله مديد
في الخامس والعشرين من ماي 2026، اجتمع في قاعة واحدة مديرون وصحفيون وسياسيون وشركاء تقنيون، تحت شعار «مسار… واستمرار». كان الحفل أنيقاً، الخطابات متوازنة، والصور احترافية. لكن خلف بريق الإطلاق، ثمة أسئلة لم تُطرح، وتوترات لم تُسمَّ، ومفارقات لم يشر إليها أحد.
ولا بد، في هذا السياق، من استحضار اسم يتصدر الصفحة الأولى لجريدة الاتحاد الاشتراكي كل يوم في صمت: عمر بنجلون، شهيد الصحافة الاتحادية، الذي دفع حياته ثمناً لقناعاته. ليس استحضاراً للرثاء، بل تذكيراً بأن هذه المؤسسة وُلدت من رحم مواقف مكلفة، لا من رحم بيانات إطلاق. وبين تلك البداية وهذا الحفل مسافة تستحق التأمل.
هذا المقال ليس نقيضاً للاحتفال — بل هو قراءة موازية له. لأن المؤسسات الكبرى تستحق نقاشاً بحجمها، لا مجرد تصفيق بحجم قاعاتها.
ثانياً: رسالة لشكر — الاستمرارية كخطاب دفاعي
افتتح إدريس لشكر حفل الإطلاق برسالة تحت عنوان: «الصحافة الاتحادية هنا… وأكثر حضوراً من أي وقت مضى». الجملة في ظاهرها إعلان ثقة، لكنها في باطنها إجابة على سؤال لم يُطرح علناً: هل الصحافة الاتحادية لا تزال موجودة فعلاً؟
ستون سنة من الحضور المتواصل في المشهد الإعلامي المغربي — هذا رصيد حقيقي لا يُنكر. لكن الرصيد التاريخي لا يُغني عن الحضور الراهن. والمفارقة أن الخطاب الذي يستحضر الماضي بهذه الكثافة يكشف عن قلق من الحاضر أكثر مما يُعبر عن يقين في المستقبل.
حين تقول مؤسسة «نحن هنا» بهذا الإلحاح، فهي في الغالب تُجيب على صوت داخلي يسألها: هل لا تزالين هنا فعلاً؟
ثالثاً: ثلاثة خطابات في قاعة واحدة
الأمسية أنتجت ثلاثة خطابات متوازية لم تلتقِ في نقطة واحدة:
عبد الحميد جماهري، مدير الاتحاد الاشتراكي، تحدث عن القيم والمهنية والالتزام التحريري. خطاب يخاطب القارئ القديم المُشكَّل سياسياً، الذي يريد أن يطمئن على هوية المؤسسة قبل أي شيء آخر.
محمد رامي، مدير أنوار بريس، تحدث عن الرقمنة وسلوك القارئ الجديد والذكاء الاصطناعي، مُعترفاً بأن الإعلام بشكله الحالي لا يمكن أن يستمر، وأن وسائل التواصل الاجتماعي أفرزت «صحافيين احتياطيين» يحتاجون إلى تأطير وتكوين. خطاب يخاطب جمهوراً لم يقرأ الجريدة بعد، ويحاول استقطابه بلغة عصره.
مهدي مزواري، عضو المكتب السياسي، أطّر الحدث سياسياً باعتباره لحظة مفصلية في مسار الإعلام الاتحادي. خطاب يخاطب الحزب قبل أن يخاطب القراء.
ثلاثة خطابات، ثلاثة جماهير، ثلاثة مفاهيم مختلفة لما ينبغي أن تكون عليه المؤسسة. وهذا التعدد ليس ثراءً دائماً — قد يكون غياب مركز ثقل واضح يجمع الرؤية ويوحّد الاتجاه.
وفي هذا السياق، تكتسب جملة وردت في خطاب رامي دلالة تتجاوز السياق التقني: «المناضل نفسه أصبح قارئاً أكثر منه مناضلاً». هذه ليست ملاحظة عابرة، بل اعتراف بتحول تاريخي عميق: في الماضي كان الانتماء السياسي ينتج القراءة الحزبية تلقائياً. اليوم، القراءة نفسها تحررت من الانتماء التنظيمي، وباتت تبحث عن إقناع لا عن ولاء.
رابعاً: وجهان لفلسفتين لا لمشروع واحد
الغلاف الأول لـLibération المتجددة كان وثيقة بصرية لافتة: شابة مغربية تبتسم في فضاء مفتوح مثالي، وعنوان وحيد — «Demain commence aujourd’hui». فراغ بصري واسع، ألوان نظيفة، صورة قريبة من منطق المجلة أكثر منها من منطق الجريدة.
وفي صورة التقطتها عدسات الحفل نفسه، يقف الجمهور بظهوره للكاميرا، وجوهه نحو الشاشة الكبيرة التي تعرض الشعارات الثلاثة جنباً إلى جنب: الاتحاد الاشتراكي في الأعلى، وLibération في المنتصف، وAnwar Press في الأسفل. لا أحد ينظر إلى المتحدث. الهوية البصرية أصبحت مركز الحدث، أكثر من الخطاب السياسي نفسه. وهذه ليست مصادفة — بل هي الإعلان الضمني عن انتقال المؤسسة من «سلطة الكلمة» إلى «سلطة الصورة والعلامة». تحول عالمي تعيشه الصحافة كلها، لكن ظهوره داخل صحافة حزبية ذات إرث إيديولوجي ثقيل يمنحه معنىً مضاعفاً.
في المقابل، صفحة الاتحاد الاشتراكي الأولى في اليوم ذاته: كثيفة، متشعبة، مليئة بالأخبار والزوايا والتحليلات. فلسفة مغايرة تماماً — العالم معقد وعليك أن تعرف كل شيء.
الجريدتان تصدران عن مؤسسة واحدة، وتقدمان نفسيهما كمشروع واحد. لكن المنطقَين البصريَّين لا يلتقيان. الاتحاد الاشتراكي يخاطب قارئاً يعرف، وLibération تخاطب متلقياً يشعر. وهذا الاختلاف ليس تكاملاً فقط — قد يكون تناقضاً داخلياً يحتاج معالجة تحريرية عميقة لا مجرد تصميم موحّد. جريدتان تحملان اسماً واحداً، لكن لكل منهما قارئ مختلف ومشروع مختلف. وهذا ليس مشكلة، شرط ألا يدير كل منهما ظهره للآخر.
ويبدو الغلاف، من حيث المعالجة البصرية والإضاءة المثالية، قريباً من جماليات الصور المُولَّدة رقمياً أو المعالجة بكثافة. وإذا كان الأمر كذلك، فذلك يفتح سؤالاً إضافياً حول علاقة الصحافة الجديدة بفكرة الواقعية البصرية نفسها: هل نعيد تعريف الواقع أم نتجاوزه؟ إذ بين تصوير الواقع وإنتاج صورة مثالية عنه مسافة ليست بصرية فحسب، بل أخلاقية أيضاً.
خامساً: السؤال الصامت — من هو القارئ؟
ما غاب عن كل الخطابات هو السؤال الأكثر إلحاحاً: من يقرأ الصحافة الاتحادية اليوم؟ وما الذي يجعله يقرأها غداً؟
لم تخسر الصحافة الحزبية في المغرب قراءها بسبب الشكل البصري — بل لأن الثقة في الوساطة السياسية ككل تراجعت. والقارئ الذي ابتعد لم يبتعد لأن الجريدة لم تعجبه بصرياً، بل لأنه لم يعد يرى فيها مرآة لهمومه اليومية.
والتحول الرقمي لا يتعلق فقط باللغة البصرية، بل أيضاً بنموذج اقتصادي جديد كلياً، حيث لم تعد أزمة الصحافة مرتبطة بالمحتوى وحده، بل بقدرتها على البقاء داخل سوق انتباه تهيمن عليه المنصات الكبرى وخوارزمياتها. من سيموّل هذا التحول؟ وكيف؟ وبأي ثمن تحريري؟ — أسئلة لم تجد لها البيانات الرسمية أي إجابة.
وهنا يطرح غياب آخر نفسه: أين البعد النقدي في المشروع الجديد؟ الصحافة الاتحادية وُلدت من رحم المعارضة. اليوم، الحزب جزء من المؤسسات، وجريدته جزء من المشهد الإعلامي الرسمي. وهذا ليس نقداً بالضرورة — لكنه واقع يستدعي تعريفاً جديداً للدور: ما موقع الصحافة الاتحادية من الخبر الصعب، والملف الحساس، والسؤال الذي يُحرج؟ لا يجيب البيان الصحفي عن هذا. وهذا الصمت هو أكثر ما يستحق التأمل.
ولفهم هذا التحول في سياقه، تجدر الإشارة إلى أن الصحافة الاتحادية ارتبطت تاريخياً بدار النشر المغربية (Éditions Maghrébines – EDIMA) التي طبعت جريدته ومجلاته ومنشوراته في سنوات الرصاص. ثم امتلكت الجريدة مطبعتها الخاصة منذ الثمانينات، قبل أن تنتقل اليوم إلى التعاقد مع مطابع Le Matin.
خاتمة: بين الذاكرة والبراغماتية
«اتحاد بريس» اليوم تقف في نقطة تقاطع نادرة: لديها تاريخ ثقيل كافٍ لمنحها شرعية، وأزمة واضحة كافية لتبرير التحول، ومبادرة جريئة كافية للتفاؤل. لكن بين هذه العناصر الثلاثة فراغات لم تملأها لا اللوغوهات الجديدة ولا الخطابات المتوازنة.
المؤسسة التي تُكثر من الحديث عن الاستمرارية تخشى الانقطاع. والمؤسسة التي تُكثر من الحديث عن التحول لم تُقرر بعد إلى أين تتحول.
ولعل أصدق ما يمكن قوله في ختام هذه القراءة هو ما لم يُقَل في حفل الإطلاق: إن مشروعاً بهذا الحجم لا يُقيَّم بيوم احتفال، بل بما ستنشره الجريدة حين يكون الخبر صعباً،








تعليقات
0