خالد القضاوي: أستاذ القانون العام بجامعة محمد الأول بوجدة
كل سنة في شهر شتنبر، يحزم ما يقارب ألفي طالب وطالبة من أبناء إقليم تاوريرت حقائبهم نحو مدن تبعد مئات الكيلومترات عن مسقط رأسهم، لا لأنهم يختارون الرحيل بل لأن الكلية المتعددة التخصصات التي شيدت بمدينتهم بتكلفة بلغت 114 مليون درهم من المال العام، على مساحة 22 هكتارا، وبطاقة استيعابية قصوى تصل إلى 18,000 طالب، لا تزال مغلقة الأبواب منذ اكتمال بنائها سنة 2021. إقليم يمتلك جامعته ولا يستفيذ منها، وشباب يحملون شهادات تفوق ويجبرون على الهجرة لممارسة حقهم في التعليم العالي. هذا المشهد المتكرر لا ينتمي إلى الهامش المحلي الضيق، بل يكشف عن اختلال بنيوي عميق في زمن لم تعد فيه ثروة الأقاليم تقاس بمواردها الطبيعية بقدر ما تقاس بقدرتها على إنتاج المعرفة وتحويلها إلى قيمة مضافة مستدامة. فالجامعة في المنظور التنموي المعاصر تجاوزت وظيفتها التقليدية في نقل المعارف لتغدو البنية التحتية الاستراتيجية الأولى التي يتوقف عليها تحول أي مجال ترابي من هامش تابع إلى قطب منتج.فحيثما أنشئت جامعة، تولدت حولها دورة اقتصادية ومعرفية تعيد رسم الخريطة التنموية لمحيطها، وتحول الموارد الكامنة إلى ثروات فعلية، وتستثمر الكفاءات البشرية داخل نسيجها الترابي بدل أن تنزف نحو الخارج.
وليس في هذا القول مبالغة بلاغية، بل هو ما أثبته كبار منظري التنمية بالدليل العلمي. فقد بين الاقتصادي (Walter W. McMahon) في مؤلفه الذي درس فيه تأثير التعليم العالي على الصالح العام (Higher Learning, Greater Good) أن الجامعة تولد “عوائد غير سوقية” تتجاوز دخل الخريج الفردي لتشمل تحسين الصحة العامة وتعزيز المشاركة المدنية وتمتين اللحمة الاجتماعية، وأن هذه العوائد في المناطق ذات الهشاشة التنموية تفوق بأضعاف العائد الاقتصادي المباشر. وكشف (Enrico Moretti) من جامعة كاليفورنيا في كتابه الموسوم ب”الجغرافيا الجديدة للوظائف” The New Geography of Jobs أن كل وظيفة عالية المهارة تستقطبها مؤسسة جامعية تولد خمس وظائف إضافية في الاقتصاد المحلي. أما الحائز على جائزة نوبل (Joseph E. Stiglitz) فقد أكد في كتابه “خلق مجتمع متعلم”Creating a Learning Society أن الفارق الجوهري بين الأقاليم المتقدمة ونظيراتها المتأخرة لا يرتبط بحجم الموارد بل بمدى القدرة على إنتاج المعرفة وتوطينها وتوظيفها في السياق المحلي. وتنسجم هذه الخلاصات مع توجهات الإيسيسكو التي تشدد في تقاريرها الاستراتيجية على ضرورة بناء أنظمة للتعليم العالي مندمجة وقريبة من السكان المحليين، وقادرة على الربط بين التكوين الأكاديمي ومتطلبات التنمية المستدامة مع تعزيز الأبعاد الإنسانية والقيمية في مواجهة تحديات الرقمنة والذكاء الاصطناعي.
ولعل أخطر ما يهدد هذا المشروع هو اختزاله في كلية للعلوم والتقنيات فحسب؛ فإقليم تاوريرت بحاجة ماسة بطبيعة الحال إلى تكوين علمي وتقني يدعم بنيته المادية ويواكب متطلبات العصر الرقمي، لكنه بالقدر ذاته بحاجة إلى تخصصات قانونية واقتصادية وإنسانية، لأنها هي التي تمنح التنمية عمقها المجتمعي وبوصلتها الاستراتيجية. فالواقع يقول إن ما يقارب ثلثي الحاصلين على شهادة الباكالوريا يتوجهون نحو هذه التخصصات، وهو طلب اجتماعي حقيقي لا يمكن تجاهله دون إقصاء شريحة واسعة من أبناء الإقليم وحرمانهم من حقهم في التعليم. والأبعد من ذلك أن التنمية الشاملة لا تبنى بالتقنية وحدها: فالاقتصاديون هم من يملكون الأدوات العلمية لتشخيص الموارد المتاحة بالإقليم واقتراح السبل المثلى لتثمينها وحسن استثمارها وتحويلها من رصيد خام إلى محركات نمو حقيقية. والقانونيون بتخصصاتهم المتنوعة من القانون الإداري إلى قانون المالية مرورا بقانون الأعمال…إلخ، هم من يؤطّرون السياسات المحلية ويقيمون أداء المؤسسات الترابية ويزودون صناع القرار الإقليميين بمقترحات مبنية على أسس قانونية صلبة، ويضمنون الأمن المؤسساتي والتعاقدي الذي لا يستقيم بدونه أي استثمار. والباحثون في العلوم الإنسانية والاجتماعية هم من يفهمون النسيج المجتمعي بتعقيداته ويصممون مشاريع تنموية مندمجة تراعي خصوصيات الإقليم وجهة الشرق الثقافية والديمغرافية، ويقترحون استراتيجيات استشرافية تعزز مساهمة الإقليم في تنمية الجهة والوطن.
إن هذه التخصصات مجتمعة هي التي تحول إقليما يملك موارد إلى إقليم يعرف كيف يستثمرها، والكلية المتعددة التخصصات وحدها، بتكامل حقولها المعرفية وتقاطع تخصصاتها، هي القادرة على إنتاج هذه الكفاءات المركبة التي تقرأ واقع الإقليم في شموليته وتساهم في صياغة مستقبله على أسس علمية ومؤسساتية متينة.
غير أن البعد الأشد خطورة في استمرار هذا الغياب يتجلى في أثره الاجتماعي والاقتصادي المركب؛ فمغادرة ما يقارب ألفي طالب للإقليم سنويالا تمثل مجرد تنقل جغرافي، بل تشكل آلية ممنهجة لإعادة إنتاج الفقر وتعميقه: إذ تجد الأسر ذات الدخل المحدود، التي تشكل شريحة واسعة من ساكنة الإقليم، نفسها مرغمة على اقتطاع جزء معتبر من مداخيلها الهزيلة أصلاً لتمويل إقامة أبنائها وتنقلهم وتغذيتهم في مدن بعيدة، الأمر الذي يضعف قدرتها الشرائية ويسرع من انزلاقها نحو أوضاع اجتماعية أكثر هشاشة، وهو ما يؤدي في كثير من الحالات إلى انقطاع الطلبة عن ممارستهم لحقهم في التعليم العالي رغم استحقاقهم الأكاديمي. مما يشكل إهدارا صريحا لرأس المال البشري الذي يفترض أن يكون الركيزة الأولى لتنمية الإقليم.
وعلى الصعيد الاقتصادي، يتحول إقليم تاوريرت، في غياب جامعة نشطة، من مستفيد مفترض من الدورة الاقتصادية التي تولدها المؤسسات الجامعية أينما حلت، إلى مصدر للثروة نحو أقاليم أخرى، إذ يتم تحويل مئات الملايين من الدراهم سنويا من الأسر إلى الأبناء الذين يدرسون خارج الإقليم، لتنعش أسواقها وتحرك قطاعاتها الخدماتية وتخلق فيها مناصب شغل، بينما يظل الإقليم الأصلي محروما من هذه الديناميات. إنه نزيف مزدوج بالمعنى البنيوي: تفقير اجتماعي للأسر، واستنزاف اقتصادي للإقليم، يتغذى أحدهما من الآخر في حلقة مفرغة لا يمكن كسرها إلا بتوفير بنية جامعية محلية تحتضن أبناء الإقليم وتعيد توطين القيمة المضافة داخل حدوده.
وتسقط التجارب الوطنية كل حجة تتذرع بمحدودية الطلب الأولي؛ فقدانطلقت كلية الناظور سنة 2005 بـ1,200 طالب لتبلغ اليوم 23,000، وبدأت كلية الرشيدية بـ900 طالب لتصل إلى 16,000، وارتقت كلية مرتيل من 1,500 إلى 14,000. ما أنجزته هذه المؤسسات لم يكن مجرد تدريس؛ بل حركت اقتصادات أقاليمها بشكل مباشر عبر خلق وظائف وتنشيط قطاعات البناء والنقل والخدمات، ثم ساهمت بشكل غير مباشر في تثمين الموارد البشرية والطبيعية لمحيطها. وإذا كانت تلك الكليات قد انطلقت بمئات قليلة من الطلاب وبلغت عشرات الآلاف، فإن إقليم تاوريرت بنسبة نجاح 92.21%؛ وقرابة ألفي ناجح سنويا في الباكالوريا؛ وأكثر من 220,000 نسمة، لا يبحث عن مسوغات لانطلاق التدريس بكليته المتعددة التخصصات بل عن تفسير للتأخير.
والمعضلة التي تجعل هذا الملف أحجية تستعصي على الحل هي أن كل مقومات الانطلاق قائمة ومكتملة: صرح جامعي مكتمل البناء على مساحة 22 هكتارا، بكلفة تتجاوز 114 مليون درهم، يضم مدرجين ب500 مقعد وأربع مدرجات بـ250 مقعدا، و20 قاعة دراسية، و33 قاعة متخصصة وسبعة وثمانين مكتبا إداريا، ومكتبة ومقصفا، ومجهزة بربط كامل بالشبكات الوطنية للكهرباء والماء والاتصالات والصرف الصحي، ومع ذلك، ماتزال أبواب الكلية المتعددة التخصصات بتاوريرت موصدة منذ 2021 إلى الآن.
حين كرس الفصل الحادي والثلاثون من الدستور حق كل مواطن في التعليم بالتأكيد على أن الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية تلتزم بتعبئة كافة الوسائل والإمكانات المتاحة، لضمان وتيسير استفادة المواطنات والمواطنين، على قدم المساواة وبأعلى مستويات تكافؤ الفرص، من الحق في الحصول على تعليم عصري، ميسر الولوج، وذي جودة عالية. وحين ألزمت المادة 12 من القانون الإطار 51.17 بإحداث أقطاب جامعية جهوية تكسر احتكار الحواضر الكبرى، وحين رفعت الرؤية الاستراتيجية لإصلاح التعليم2015-2030 ملاءمة الخريطة الجامعية مع التقسيم الجهوي إلى مرتبة الهدف الوطني الملزم. لم تكن هذه النصوص تتحدث عن مبادئ مجردة، بل كانت تتحدث عن أقاليم بعينها تعيش الإقصاء الجامعي يوميا. فجهة الشرق، بامتدادها على 82,820 كلم² وأكثر من 2.3 مليون نسمة، لا تملك سوى تسع مؤسسات جامعية مقابل معدل وطني يبلغ 13.75، وفي قلبها إقليم تاوريرت الذي يبعد 110 كيلومتر عن أقرب كلية بينما تقف جامعته الجاهزة صامتة منذ خمس سنوات. إن هذه النصوص لا تحتاج إلى تفسير بل تحتاج إلى تنفيذ.
إن كل تأخير إضافي في فتح الكلية المتعددة التخصصات بتاوريرت لم يعد مجرد تأجيل إداري، بل هو ظلم موثق لساكنة إقليم بأكمله، وتعطيل غير مبرر لحق دستوري صريح في التعليم العالي، وإجهاض لمسار تنموي كان يمكن أن ينطلق منذ سنوات. كل موسم يمر يعني جيلا آخر يحزم حقائبه ولا يعود، ومئات الملايين تغادر الإقليم بلا رجعة، واستثمار عمومي بـ114 مليون درهم يتآكل في الصمت. والمسؤولية التاريخية اليوم أمام صناع القرار واضحة لا لبس فيها: أطلقوا سراح التنمية بتاوريرت، وافتحوا أبواب كليتها في موسم 2026-2027، قبل أن يكون التأخير وأدا لمستقبل إقليم بأكمله.
مستوى التنمية المحلية، هو المرآة التي تعكس بصدق، مدى تقدم المغرب الصاعد والمتضامن، الذي نعمل جميعا على ترسيخ مكانته، فالعدالة الاجتماعية، ومحاربة الفوارق المجالية، ليست مجرد شعار فارغ، أو أولوية مرحلية، قد تتراجع أهميتها حسب الظروف؛ وإنما نعتبرها توجها استراتيجيا، يجب على جميع الفاعلين الالتزام به، ورهانا مصيريا، ينبغي أن يحكم مختلف السياسات التنموية. (مقتطف من خطاب صاحب الجلالة بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الخامسة من الولاية التشريعية الحادية عشرة يوم 10أكتوبر2025)








تعليقات
0